الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٣ - تأويل آية
و لو أراد بأبيضهم بياض الثوب و نقاءه على الحقيقة لما جاز أن يتعجب بلفظة «أفعل» ، فالذى جوّز تعجّبه بهذه اللفظة ما ذكرناه.
فأما قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له # لأنت أسود فى عينى من الظّلم [١]
فقد قيل فيه إن قوله: «لأنت أسود فى عينى» كلام تام، ثم قال: «من الظلم» أى من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرار [٢] ، و لئيم من لئام؛ أى من جملتهم، و قال الشاعر [٣] :
و أبيض من ماء الحديد كأنّه # شهاب بدا و اللّيل داج عساكره
كأنه قال: و أبيض كائن من ماء الحديد، و قوله: «من ماء الحديد» وصف لأبيض، و ليس يتّصل به كاتصال «من» بأفضل فى قولك: هو أفضل من زيد، و لفظة «من» فى بيت المتنبى مرفوعة الموضع، لأنها وصف لأسود؛ و إذا أريد المفاضلة و التعجب كانت منصوبة الموضع بأسود [٤] كما تقول زيد خير منك، فمنك فى موضع نصب بخير، كأنه قال: قد خارك يخيرك، أى فضلك فى الخير؛ و هذا التأويل المذكور فى بيت المتنبى يمكن أن يقال فى قول الشاعر:
*أبيض من أخت بنى إباض*
و يحمل على أنه أراد من جملتها و من قومها، و لم يرد التعجب و تأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأما قول المتنبّي:
*ابعد بعدت بياضا لا بياض له*
[١] ديوانه ٤: ٣٥؛ و هو يخاطب الشيب، و قبله
ضيف ألمّ برأسى غير محتشم # و السّيف أصدق فعلا منه باللّمم
.
[٢] ش، ف، و حاشية ت (من نسخة) : «حر من الأحرار و لئيم من اللئام» .
[٣] البيت فى شرح العكبرى لبيت المتنبى، أورده من غير عزو.
[٤] حاشية ف: «إذا قلت زيد أضرب من عمرو كان الجار مع المجرور فى موضع النصب على المعهود من حال الجار و المجرور؛ لأنه على تقدير: غالب زيد عمرا فى الضرب فغلبه؛ فيكون إذا «من عمرو» فى موضع النصب؛ لأنه فى معنى المفعول على ما ذكرنا» .