الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٤ - تأويل آية
فالمعنى الظاهر للناس فيه أنه أراد: لا ضياء له و لا نور و لا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضّي الأجل؛ و هذا لعمرى معنى ظاهر؛ إلا أنه يمكن فيه معنى آخر؛ و هو أنّه يريد إنك بياض لا لون بعده، لأن البياض آخر ألوان الشعر، فجعل قوله:
«لا بياض له» بمنزلة قوله: لا لون بعده، و إنما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتى بعد السّواد، فلما نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون.
و قد اختلف القراء فى فتح الميم و كسرها من قوله تعالى: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ ، فقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو عمرو بفتح الميمين معا، و قرأ عاصم فى رواية أبى بكر و حمزة و الكسائىّ بكسر الميم فيهما معا [١] ، و فى رواية حفص عن عاصم:
لا يكسر هما، و كسر أبو عمرو الأولى و فتح الأخيرة: و لكل وجه، أما من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الفتحة، و أما من أمال الجميع فوجه قوله أن ينحو بالألف نحو الياء، ليعلم أنها تنقلب إلى الياء [٢] ، و أما قراءة أبى عمرو بإمالة الأولى و فتح الثانية فوجه قوله أنّه جعل الثانية أفعل من كذا مثل أفضل من فلان، و إذا جعلها كذلك لم تقع الألف فى آخر الكلمة؛ لأنّ آخرها إنما هو من كذا، و إنما تحسن الإمالة فى الأواخر، و قد حذف من «أفعل» الّذي هو للتفضيل الجارّ و المجرور جميعا، و هما مرادان فى المعنى مع الحذف، و ذلك نحو قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفىََ ؛ [طه: ٧]؛ المعنى و أخفى من السر، فكذلك قوله تعالى: فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ ، أى أعمى منه فى الدنيا، أو أعمى من غيره، و يقوى هذه الطريقة ما عطف عليه من قوله تعالى: وَ أَضَلُّ سَبِيلاً ، فكما أن هذا لا يكون إلا على «أفعل من كذا» كذلك المعطوف عليه.
[١] ت، و نسخة بحاشيتى ت، ف: «جميعا» .
[٢] فى حاشيتى الأصل، ف: «على هذا الوجه لا تميل بحال؛ إلا إذا كانت الكلمة من بنات الياء؛ فأما إذا لم تكن من بنات الياء فلا تميل، و الأعمى أصله عمى، فهو إذا من بنات الياء» .
غ