الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩١ - تأويل آية
المعاصى على الطاعات، و أنهم ما ركبوا المعاصى و آثروها على الطاعات إلاّ لاعتقادهم [١] أنّ فيها خيرا/و نفعا، فقيل: أ ذلك خير على ما تظنونه و تعتقدونه، أم كذا و كذا؟
و قد قال قوم فى قوله تعالى: أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ إنما حسن ذلك لاشتراك الحالين فى باب المنزلة، و إن لم يشتركا فى الخير و النفع، كما قال تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً ؛ [الفرقان: ٢٤]، و مثل هذا يتأتّى فى قوله تعالى: رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ لأنّ الأمرين-يعنى المعصية و دخول السجن-مشتركان فى أنّ لكل منهما داعيا، و عليه باعثا، و إن لم يشتركا فى تناول المحبة، فجعل اشتراكهما فى داعى المحبة اشتراكا فى المحبة نفسها و أجرى اللّفظ على ذلك.
و من قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه؛ لأن «السّجن» المصدر، فيحتمل أن يريد: أنّ سجنى لهم نفسى، و صبرى على حبسهم أحبّ إلى من مواقعة المعصية؛ و لا يرجع بالسجن إلى فعلهم بل إلى فعله.
و الوجه الثانى أن يكون معنى أَحَبُّ إِلىََ أى أهون عندى و أسهل عليّ؛ و هذا كما يقال لأحدنا فى الأمرين يكرههما معا: إن فعلت كذا و إلا فعل بك كذا و كذا؛ فيقول: بل كذا أحبّ إلى، أى بمعنى أسهل و أخفّ، و إن كان لا يريد واحدا منهما؛ و على هذا الجواب لا يمتنع أن يكون إنما عنى فعلهم به دون فعله، لأنه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التى هى الإرادة؛ و إنما وضع أَحَبُّ موضع أخف، و المعصية قد تكون أهون و أخفّ من أخرى.
و أما قوله: وَ إِلاََّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فليس المعنى فيه على ما ظنّه السائل؛ بل المراد: متى لم تلطف لى ممّا يدعونى إلى مجانبة المعصية، و يثنينى إلى تركها و مفارقتها صبوت؛ و هذا منه عليه السلام على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى، و التسليم لأمره، و أنه لو لا معونته و لطفه ما نجا من كيدهنّ؛ و لا شبهة فى أن النبىّ عليه السلام إنما يكون
[١] حاشية ف (من نسخة) : «لاعتقادتهم» .