الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٤
نفسه خيفة، و ارتاب بكتابه، و لقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أ تقرأ يا غلام؟قال:
نعم، ففضّ خاتم كتابه، و دفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: «إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه و رجليه، و اصلبه حيا» .
فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن [١] و اللّه لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلاّ، ما كان ليجسر على قومى بمثل هذا، و لم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه فى نهر الحيرة، و قال:
قذفت بها بالثّنى من جنب كافر # كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل [٢]
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها # يجول بها التيار فى كلّ جدول
كافر: نهر بالحيرة، و أقنو: اقتنى، و القطّ: الكتاب: و التيّار: معظم الماء و كثرته.
و قال المتلمّس أيضا:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم # نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس [٣]
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما # و نجا حذار حبائه المتلمّس
ألقى صحيفته و نجّت كوره # و جناء مجمرة المناسم عرمس [٤]
عيرانة طبخ الهواجر لحمها # فكأنّ نقبتها أديم أملس [٥]
أ طريفة بن العبد إنّك حائن # أ بساحة الملك الهمام تمرّس!
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه # يخشى عليك من الحباء النّقرس
[١] من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «تعلم» .
[٢] ديوانه: ١٧٦.
[٣] الأبيات فى ديوانه ١٩١-١٩٢، و الخزانة ٣: ٧٣ و الأغانى ٢١: ١٢٧ و أخواهم: طرفة و الملمس.
[٤] الوجناء: الناقة الصلبة؛ مشتقة من الوجين؛ و هى الأرض الصلبة، و مجمرة: مجتمعة، و المناسم: جمع منسم، و منسما خف البعير كالظفرين فى مقدمه؛ بهما يستبان أثر البعير الضال. و العرمس فى الأصل: الصخرة؛ شبهت بها الناقة؛ و رواية الديوان:
ألقى صحيفته و نجّت كوره # عنس مداخلة الفقارة عرمس
.
[٥] العيرانة: الناقة الصلبة التى تشبه عير الوحش لقوتها، و النقبة هاهنا: اللون.