الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٥ - تأويل آية أخرى
و وجه آخر، و هو/أن تكون الفائدة فى ذلك التأكيد، فقد جرت به عادة العرب فى كلامها، و ما تقدم من الوجهين أولى؛ لأنّ حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله على ما تسقط معه الفائدة.
تأويل آية أخرى : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...
إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ ؛ [إبراهيم: ٩].
فقال: أىّ معنى لردّ الأيدى فى الأفواه؟و أىّ مدخل لذلك فى التكذيب بالرسل عليهم السلام؟
الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:
أولها أن يكون إخبارا عن القوم بأنّهم ردّوا أيديهم فى أفواههم، عاضّين عليها غيظا و حنقا على الأنبياء، كما يفعل المتوعّد لغيره، المبالغ فى معاندته و مكايدته؛ و هذه عادة معروفة فى المغيظ المحنق أنّه يعضّ على أصابعه، و يفرك أنامله، و يضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ و ما شاكل ذلك من الأفعال.
و ثانيها أن تكون الهاء فى الأيدى للكفار المكذّبين، و الهاء التى فى الأفواه للرسل عليهم السلام؛ فكأنّهم لمّا سمعوا وعظ الرسل و دعاءهم و إنذارهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل، مانعين لهم عن الكلام كما يفعل المسكّت منّا لصاحبه، الرّادّ لقوله.
و ثالثها أن تكون الهاء فى الأيدى و التى فى الأفواه معا للرسل؛ و المعنى أنهم كانوا يأخذون أيدى الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم، و يقطعوا كلامهم.