الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٤ - تأويل آية
تخبّر إن شطّت بها غربة النّوى # ستنعم ليلى أو يفكّ أسيرها [١]
أراد: كيف تظنها؟فلما كان القول يستعمل فى الأمرين معا أفاد قوله تعالى: بِأَفْوََاهِهِمْ قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب، و لو أطلق القول، و لم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهّم المعنى الآخر:
و مما يشهد لذلك قوله تعالى: إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ ؛ [المنافقون: ١]، فلم يكذّب اللّه تعالى قول ألسنتهم: لأنهم لم يخبروا بأفواههم إلاّ بالحق، بل كذّب ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات.
و وجه آخر و هو أن تكون الفائدة فى قوله تعالى: بِأَفْوََاهِهِمْ أنّ القول لا برهان عليه، و أنه باطل كذب لا يرجع فيه إلاّ إلى مجرّد القول باللسان؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه الحقّ و الباطل، و إنما يكون قوله حقّا إذا كان راجعا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضى ما ذكرناه من الفائدة، و هذا كما يقول القائل لمن يشكّ فى قوله أو يكذبه:
هكذا تقول بلسانك، و ليس الشأن فيما تقوله و تتفوّه به و تقلّب به لسانك؛ فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: هذا قول لا برهان عليه، فأقاموا قولهم: هكذا تقول بلسانك، و إنما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك؛ و المعنى أنه قول لا تعضده حجّة و لا برهان، و لا يرجع فيه إلا إلى اللسان.
[١] حواشى الأصل، ت، ف: «فى ديوانه: «تجير و إن شطت» ، يخاطب الشاعر صديقا له فيقول: يا صفىّ نفسى، كيف تظن ليلى الأخيلية لو استجار بها مستجير!ثم استأنف فقال: هى تجير و إن كانت قد عذبتنا بالفراق، ثم قال: ستنعم ليلى أو يفادى أسيرها، و يعنى بالأسير نفسه، أى ستجود يوما أو أفتدي نفسى منها، هذا إذا روى: «تجير و إن شطت» ، و كذلك هو فى ديوانه، و أما وجه ما رواه السيد: «تخبر» ، فمعناه: تخبرنى أنت يا صفىّ نفسى إن تناءت أنها ستنعم، و إن رويت: «أن شطت» بالفتح كان المعنى: لأن تناءت. و على ما ذكره السيد رضى اللّه عنه يمكن أن يذكر للبيت وجه آخر؛ و هو أنه يقول و يخاطب صديقا له: كيف تظنها لو أنى استجرت بها!كنى عن نفسه بالخائف المستجير ثم يقول:
تخبر يا خليلى، يعنى أنى أعلم أنك تقول: هى إما أن تنعم بالوصال أو أنا أسلو؛ و هذا معنى: «يفك أسيرها» ، لأنه إذا سلا فقد فك أسره؛ و هذا الوجه الأخير مستفاد من ملك النحاة» .