الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٨ - باب فى الجوابات الحاضرة المستحسنة التى يسمّيها قوم المسكتة
و روى محمد بن سلاّم الجمحىّ قال: ''أنشد [١] كثيّر عبد الملك بن مروان شعرا:
على ابن أبى العاصى دلاص حصينة # أجاد المسدّى نسجها فأذالها [٢]
فقال له: هلاّ قلت كما قال الأعشى:
و إذا تكون كتيبة ملمومة # شهباء يخشى الذّائدون نهالها [٣]
كنت المقدّم غير لابس جنّة # بالسّيف تضرب معلما أبطالها [٤]
فقال له: إنّه وصفه بالخرق و وصفتك بالحزم [٥] .
و يشبه ذلك ما روى [٦] عن أبى عمرو بن العلاء أنه لقى ذا الرّمة، فقال له: أنشدنى قصيدتك:
*ما بال عينك منها الماء ينسكب [٧] *
[١] طبقات الشعراء ٤٥٨-٤٥٩؛ و رواه المرزبانىّ فى الموشح: ١٤٥؛ مع اختلاف فى الرواية.
[٢] ابن أبى العاصى هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاصى بن أمية، و دلاص: وصف للدرع اللينة. و الحصينة: المحكمة المتدانية الحلق؛ يكون صاحبها فى حصن مما يصيبه. و سدى الدرع:
نسجها. و يقال أذال الدرع؛ إذا أطال ذيلها و أطرافها.
[٣] ديوانه: ٢٧. الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش، و كتيبة ملمومة: مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض: و شهباء: بيضاء صافية الحديد. و الذائد: الّذي يحمى الحرم و يذود عنها، و النهال: العطاش.
[٤] المقدم: شديد الإقدام على العدو. و الجنة هنا: الدرع تستر لابسها. و المعلم: من يعلم مكانه فى الحرب بعلامة أعلم بها نفسه.
[٥] رواية المرزباني: «فقال: يا أمير المؤمنين؛ وصف الأعشى صاحبه بالطيش و الخرق و التغرير؛ و وصفتك بالحزم و العزم، فأرضاه» ؛ و قد فاضل المرزباني بين هذين الشعرين فقال: «رأيت أهل العلم بالشعر يفضلون قول الأعشى فى هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط؛ و الأعشى بالغ فى وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير جنة؛ على أنه و إن كان لبس الجنة أولى بالحزم و أحق بالصواب؛ ففى وصف الأعشى دليل قوى على شدة شجاعة صاحبه» .
[٦] الخبر فى الموشح ١٧٤-١٧٥، و الشعر و الشعراء ٥١٧-٥١٨، و الأغانى ١٦: ١١٨؛ و اللآلئ: ٨٩٨؛ مع اختلاف فى الرواية و الشعر.
[٧] بقيته:
*كأنّه من كلى مفريّة سرب*
و الكلى: جمع كلية؛ و هى رقعة تكون فى أصل عروة المزادة و مفرية: مقطوعة. و سرب:
سائل؛ و القصيدة فى ديوانه ١-٣٥.
غ