الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٤
النحوىّ قال: كان [١] حارثة بن بدر الغدانىّ رجل تميم فى وقته، و كان قد غلب على زياد، و كان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، و هو مستهتر [٢] بالشراب؛ فقال زياد: كيف باطّراح رجل هو يسايرنى مذ دخلت العراق، لم يصكك ركابى ركاباه [٣] ، و لا تقدمنى فنظرت إلى قفاه، و لا تأخّر عنى فلويت عنقى إليه، و لا أخذ عليّ الشمس فى شتاء قط، و لا الرّوح [٤] فى صيف قطّ، و لا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره!فلما مات زياد جفاه ابنه عبيد اللّه، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة [٥] !فقال له عبيد اللّه: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب، و أنا حدث، و إنما أنسب إلى من يغلب عليّ، و أنت رجل تديم الشّراب، فمتى قرّبتك و ظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بى، فدع الشراب، و كن أول داخل عليّ، و آخر خارج، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّى و نفعى، أ فدعه للحال عندك!قال: فاختر من عملى ما شئت. قال: تولينى/رامهرمز [٦] ، فإنها أرض عذاة [٧] ، و سرّق [٨] ؛ فإن بها شرابا وصف لى. فولاّه إياها، فلما شيّعه الناس قال أنس بن أبى أنيس [٩] -و قيل: ابن أبى إياس الدّيلىّ:
أ حار بن بدر قد وليت إمارة # فكن جرذا فيها تخون و تسرق [١٠]
و لا تحقرن يا حار شيئا وجدته # فحظّك من ملك العراقين سرّق
[١] الخبر فى الكامل-بشرح المرصفى ٣-١٩١-١٩٢.
[٢] مستهتر بالشراب: مولع به؛ من استهتر بكذا، مبنيا لما لم يسم فاعله: أولع به لا يفعل غيره، و لا يتحدث إلا به.
[٣] من نسخة بحاشيتى ف، ت: «يصطك ركابى ركابه» .
[٤] الروح: برد النسيم.
[٥] أبو المغيرة: كنية زياد.
[٦] رامهرمز: مدينة مشهورة بنواحى خوزستان من بلاد الفرس.
[٧] الأرض العذاة: الطيبة التربة، البعيدة من الأنهار و النجود و السباخ.
[٨] سرق: إحدى كور الأهواز.
[٩] من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «ابن أبى أنس» . و فى الشعر و الشعراء: ٧١٤: «أنس بن أبى أناس» ، من كنانة، من الدؤل، رهط أبى الأسود الدئلىّ.
[١٠] الأبيات فى الشعر و الشعراء: ٧١٥.