الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥٢ - تأويل آية
و الوجه الثالث [١] أن يكون معنى نفى السمع و البصر [١] راجعا إلى آلهتهم لا إليهم؛ و تقدير الكلام: أولئك و آلهتهم لم يكونوا معجزين فى الأرض، يضاعف لهم العذاب؛ ثم قال مخبرا عن الآلهة: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ ، و هذا الوجه يروى [٢] عن ابن عباس رحمة اللّه عليه، و فيه أدنى بعد.
و يمكن فى الآية وجه رابع، و هو أن يكون ما فى قوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ ليست للنفى؛ بل تجرى مجرى قولهم: لأواصلنّك ما لاح نجم؛ و لأقيمنّ على مودتك ما طلعت شمس؛ و يكون المعنى أن العذاب يضاعف لهم فى الآخرة؛ ما كانوا يستطيعون السمع و ما كانوا يبصرون؛ أى أنهم معذبون ما كانوا أحياء.
فإن قيل: كيف يعبّر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع و الإبصار؛ و قد يكون حيا من لا يكون كذلك؟
قلنا: للعرب فى مثل هذا/عادة؛ لأنهم يقولون: و اللّه لا كلّمت فلانا ما نظرت عينى، و مشت قدمى؛ و هم، يريدون: ما بقيت و حييت؛ لأن الأغلب من أحوال الحىّ أن تنظر عينه، و تمشى قدمه؛ فجعلوا الأغلب كالواجب؛ و من ذلك قول الشاعر:
و ما أنس من شيء تقادم عهده # فلست بناس ما هدت قدمى نعلى
عشيّة قالت و الدّموع تعينها: [٣] # هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلى [٤]
و إنما أراد: أنّى لا أنسى ذلك ما حييت؛ و كذلك لا يمتنع أن يعلّق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعين للسمع و الإبصار؛ و يعود المعنى إلى تعلّقه ببقائهم، و بكونهم أحياء؛ و المرجع فى ذلك إلى التأييد؛ لأنه إذا علّق العذاب ببقائهم و إحيائهم و علمنا أنّ الآخرة لا موت فيها، و لا خروج عن الحياة، علمنا تأييد العذاب.
***
[١] حاشية ف (من نسخة) : «أن يكون نفى السمع و البصر» .
[٢] م: «مروى» .
[٣] د، ف: «بعينها» .
[٤] د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «مسل» .
غ