الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٢٧ - فصل
فإن قيل: إذا كان الّذي حسّن التكرار فى سورة الرحمن ما عدّده من آلائه، و نعمه فقد عدّد فى جملة ذلك ما ليس بنعمة، و هو قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [آية: ٣٥]، و قوله: هََذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ `يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [١] [آية: ٤٣، ٤٤]. فكيف يحسن أن يقول بعقب هذا: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ و ليس هذا من الآلاء و النعم؟قلنا: الوجه فى ذلك أن فعل العقاب و إن لم يكن نعمة فذكره و وصفه و الإنذار به من أكبر النعم، لأن فى ذلك زجرا عمّا يستحقّ به العقاب و بعثا على ما يستحق به الثواب، فإنما أشار بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ ، بعد ذكر جهنم و العذاب فيها إلى نعمته بوصفها و الإنذار بعقابها، و هذا مما لا شبهة [٢] فى كونه نعمة. غ
فصل فى أخبار الدهريين و الزنادقة المتهتكين ممن كانوا فى صدر الإسلام
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى ذو المجدين أدام اللّه علوّه: و كما أنه كان فى الجاهلية و قبل الإسلام و فى ابتدائه قوم يقولون بالدهر، و ينفون الصانع، و آخرون مشركون يعبدون غير خالقهم، و يستنزلون الرزق من غير رازقهم أخبر اللّه تعالى عنهم فى كتابه، و ضرب لهم الأمثال، و كرّر عليهم البينات و الأعلام، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة ممن يتستّر بإظهار الإسلام و يحقن بإظهار شعاره و الدخول فى جملة أهله دمه و ماله زنادقة ملحدون، و كفار مشركون؛ فمنعهم [٣] عزّ الإسلام عن المظاهرة و المجاهرة، و ألجأهم خوف القتل إلى المساترة؛ و بلية هؤلاء على الإسلام و أهله أعظم و أغلظ، لأنهم يدغلون فى الدين، و يموّهون على المستضعفين، بجأش رابط، و رأى جامع؛ فعل من قد أمن الوحشة، و وثق بالأنسة، بما يظهره [٤] من لباس الدين، الّذي هو منه على الحقيقة عار، و بأثوابه غير متوار، كما يحكى أنّ عبد الكريم بن أبى العوجاء قال لما قبض عليه محمد بن سليمان، و هو والى الكوفة من قبل
[١] حاشية ف: «الحميم: الماء الحار، و الآنى: الّذي بلغ نهايته» .
[٢] ش: «و هذا لا شبهة» .
[٣] ش: «فقمعهم» .
[٤] ش: «فيما يظهره» .