الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩١ - تأويل آية
فإن قيل لهم فقد قالوا: عورت عينه و حولت، قالوا: هذا منقول من «افعلّ» و هو فى الحكم زائد على ثلاثة أحرف، يدلّ على ذلك صحة الواو فيه؛ كما صحت فى اسودّ و ابيضّ و لو لا أنه منقول منه لا عتلت الواو، فقلت: عارت و حالت، كما قيل: خاف و هاب.
و حكى عن الفرّاء فى ذلك جوابان: أحدهما أنّ «أفعل» فى التعجب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل و أجمل، فهو أزيد فى الوصف من جميل و فاضل، فلم يقولوا: ما أبيض زيدا!لئلا يسقط/التزيد [١] ، و لا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل و أجمل فاضلا و جميلا، فلما فاتهم فى أبيض و أحمر علم التزيد [٢] أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، و قالوا: ما أظهر حمرة زيد: و ما أشد سواد عمرو!لأن «أظهر» يزيد على ظاهر، و «أشد» يزيد على شديد [٣] .
و الجواب الآخر أنّ التعجب مبنىّ على زيادة فصلح أن يتقدّمها نقص و تقصير عن بلوغ التناهى، فقالوا: ما أعلم زيدا!ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم فى قولهم: عالم و عليم لم يبلغوا فى التناهى مبلغ «أعلم» ، و لم يقولوا: ما أبيض زيدا!لأن البياض لا تأتى [٤] منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجب بأشدّ و أبين و ما جرى مجراهما، و هذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّى فيها الزيادة بعد نقص، و قد تدخل فيها المفاضلة، أ لا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا فى البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء!
و الجواب الأول الّذي حكيناه عن الفراء أصوب، و إن كان ما قدمناه عن البصريين هو المعتمد [٥] و قد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:
[١] فى نسخة بحاشيتى ت، ف: «التزايد» .
[٢] حاشية ت (من نسخة) : «المزيد» .
[٣] فى حاشيتى ت، ف: «متقرر فى علم الأصول أن السواد لا يكون أزيد فى كونه سوادا من سواد آخر؛ و إنما تتكاثر الأجزاء، فيقال: هذا أشد سواد من ذلك» .
[٤] فى نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «لا تتأتى» .
[٥] حاشية ف: «قال ابن الشجرى: هذان الوجهان متقاربان، و السيد يفضل الأول، و لا أدرى ما بينهما، إلا أن الأول اعتبار باللفظ و الثانى اعتبار بالمعنى» ، و فى حاشية ت: «الجواب الأول مشتمل على نفى المبالغة فى أبيض، و العلة ألا يسقط التزيد، و الجواب الثانى مشتمل على طرف من ذلك الجواب؛ إلا أنه يقول إنما لا يقال أبيض على طريق المبالغة؛ لأن التزايد فى البياض لا يتأتى» .