الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٥ - تأويل آية
أراد تأكيد القول بأن كلّ ثمن يؤخذ عنها يكون قليلا بالإضافة إليها، و يكون المتعوّض به عنها مغبونا مبخوسا خاسر الصفقة.
و الوجه الآخر أنّ فى التكبر ما يكون ممدوحا لأنّ من تكبر و تنزّه عن الفواحش و الدنايا و تباعد من فعلها، و تجنب أهلها يكون مستحقا للمدح، سالكا لطريق الحقّ؛ و إنما التكبّر المذموم هو الواقع على وجه النّخوة و البغى و الاستطالة على ذوى الضّعف و الفخر عليهم، و المباهاة لهم، و من كان بهذه الصفة فهو مجانب للتواضع الّذي ندب اللّه تعالى إليه، و أرشد إلى الثواب المستحقّ عليه، و يستحق بذلك الذمّ و المقت، فلهذا شرط تعالى أن يكون التكبر بغير الحق. و قوله تعالى فى هذه السورة: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ؛ [الأعراف: ٣٣]، يحتمل أيضا هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما.
فإن أريد به البغى المكروه الّذي هو الظلم و ما أشبهه، كان قوله: بِغَيْرِ اَلْحَقِّ تأكيدا و إخبارا عن أن هذه صفته، و إن أريد بالبغى الطلب-و ذلك هو أصله فى اللغة- كان الشرط فى موضعه؛ لأنّ الطلب قد يكون بالحقّ و بغير الحقّ.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاََ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً /و هل الرؤية هاهنا العلم و الإدراك بالبصر؟وهب أنها يمكن أن تكون فى قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا محمولة على رؤية البصر، لأن الآيات و الأدلة مما يشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم، و سبيل الرشد إنما هى طريقه، و لا يصحّ أن يرجع بها إلى المذاهب و الاعتقادات التى لا تجوز عليها رؤية البصر، فلا بد إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم؛ و من علم طريق الرّشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغىّ؛ لأن العقلاء لا يختارون مثل ذلك.
قلنا: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر، و يكون السبيل المذكورة فى الآية هى الأدلة؛ لأنها مما يدرك بالبصر، و تسمّى بأنها سبيل إلى