الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٠ - تأويل آية
هو نهاية البلاغة فى الكلام؛ و الاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعانى الكثيرة؛ لأنه استغنى بقوله تعالى: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ عن بسط الكلام الّذي ذكرناه؛ و لذلك نظائر فى القرآن، قال اللّه تعالى: مَا اِتَّخَذَ اَللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَ لَعَلاََ بَعْضُهُمْ عَلىََ بَعْضٍ ؛ [المؤمنون: ٩١]، فلولا الاختصار لكان مع شرح الكلام يقول: ما اتخذ اللّه من ولد و ما كان معه من إله، و لو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق؛ و مثله قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ؛ [آل عمران: ١٠٦]، أى: فيقال للذين اسودت وجوههم:
أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ ؛ و أمثاله أكثر من أن تورد.
ثم قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ ، و ليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين؛ و كيف يرجع إليهما و قد نفى عنهما التعليم! بل يرجع إلى الكفر و السحر، و قد تقدم ذكر السحر، و تقدم أيضا ذكر ما يدلّ على الكفر و يقتضيه فى قوله: وَ لََكِنَّ اَلشَّيََاطِينَ كَفَرُوا ؛ فدل كَفَرُوا على الكفر، و العطف عليه مع السحر جائز، و إن كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه؛ و مثل ذلك قوله تعالى:
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشىََ. `وَ يَتَجَنَّبُهَا اَلْأَشْقَى ؛ [الأعلى: ١٠-١١، أى يتجنّب الذكرى الأشقى، و لم يتقدم تصريح بالذّكرى، لكن دلّ عليها قوله: سَيَذَّكَّرُ .
و يجوز أيضا أن يكون معنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا ، أى بدلا مما علّمهم الملكان، و يكون المعنى أنهم يعدلون عمّا علّمهم و وقفهم عليه الملكان من النهى عن السحر إلى تعلمه و استعماله؛ كما يقول القائل: ليت لنا من كذا و كذا كذا [١] !أى بدلا منه، و كما قال الشاعر:
[١] حواشى الأصل، ت، ف: «من هذا الباب قوله:
فليت لنا من ماء زمزم شربة # مبرّدة باتت على الطّهيان
-الطهيان: اسم جبل» .