الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٨ - تأويل آية
و الّذي أنزل على الملكين، و إنّما أنزل على الملكين وصف السحر و ماهيّته و كيفية الاحتيال فيه؛ ليعرفا ذلك و يعرّفاه للناس فيجتنبوه و يحذروا منه، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصى، و وصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنوقعها؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك و عرفوه استعملوه، و أقدموا على فعله؛ و إن كان غيرهم من المؤمنين لمّا عرفه اجتنبه و حاذره و انتفع باطّلاعه على كيفيته، ثم قال: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ يعنى الملكين، و معنى يُعَلِّمََانِ يعلمان، و العرب تستعمل لفظة علّمه بمعنى أعلمه، قال القطامىّ:
تعلّم أنّ بعد الغىّ رشدا # و أنّ لتانك الغبر انقشاعا [١]
و قال كعب بن زهير:
تعلّم رسول اللّه أنّك مدركى # و أنّ وعيدا منك كالأخذ باليد [٢]
و معنى «تعلّم» فى البيتين/معنى «اعلم» [٣] ؛ و الّذي يدلّ على أنّ المراد هاهنا الإعلام لا التعليم قوله: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاََ تَكْفُرْ ، أى أنهما لا يعرّفان صفات السحر و كيفيته إلاّ بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لأن الفتنة بمعنى المحنة؛ و إنما كانا محنة، من حيث ألقيا إلى المكلّفين أمرا لينزجروا عنه، و ليمتنعوا من مواقعته، و هم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه و يرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، و لا تعدل عن الغرض فى إلقاء هذا إليك، فإنه إنّما ألقى إليك، و أطلعت عليه لتجتنبه؛ لا لتفعله، ثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ ، أى فيعرفون من جهتهما ما يستعلمونه فى هذا الباب؛ و إن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك؛ و لهذا قال: وَ يَتَعَلَّمُونَ مََا يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ ؛ لأنّهم
[١] ديوانه: ٤٠؛ و من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «لهذه الغمر» ، و هى رواية الديوان و الغمر: جمع غمرة، و هى الشدة.
[٢] ملحقات ديوانه: ٢٥٨ (عن الغرر) .
[٣] حواشى الأصل، ت، ف: «قال ابن السكيت رحمه اللّه: يقال: تعلمت أن فلانا خارج يعنى علمت، و إذا قال لك: اعلم أن زيدا خارج قلت: قد علمت، و إذا قال: تعلم أن زيدا خارج لم تقل:
قد تعلمت؛ يعنى أنه يقتصر على ما ورد عنهم، و لا يتجاوز إلى غيره» .
غ