النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٩ - الحكم الثانى-الإلغاء
مراعاة ناحيته المحلية. و الإلغاء لا يجوز فى توابعه إلا مراعاة الناحية الواحدة التى هو عليها؛ و هى الناحية الظاهرة المحضة.
(هـ) أن التعليق لا بد فيه من تقدم الناسخ على معموليه؛ و من وجود فاصل بعده له الصدارة.
أما الإلغاء فلا بد فيه من توسط [١] الناسخ بينهما، أو تأخره عنهما؛
[١] يذكر النحاة بعض أمثلة يستدلون بها على أن الإلغاء قد يقع و الفعل الناسخ متقدم على مفعوليه، و ليس متوسطا و لا متأخرا. ثم يؤولون تلك الأمثلة تأويلا يخرجها من حكم الإلغاء، و يدخلها فى أحكام أخرى مطردة تنطبق عليها بعد ذلك التأويل. و هذا تكلف مردود، و تصنع يجب البعد عنه، منعا للفوضى فى التعبير، و الخلط فى الأصول العامة. فمن تلك الأمثلة قول الشاعر:
أرجو و آمل أن تدنو مودتها # و ما إخال لدينا منك تنزيل
فالفعل: «إخال» قد ألغى؛ فلم ينصب المفعولين: «لدى» و «تنويل» مع أنه مقدم عليهما.
و مع تقدمه فكلمة «لدى» ظرف، خبر متقدم، و كلمة: «تنويل» مبتدأ مؤخر. أى: أنه لم ينصبهما؛ بدليل رفع الثانية. فما السبب فى الإلغاء؟لا سبب. لهذا ينتحلون ما يجعل الأسلوب صحيحا. فيتخيلون وجود «ضمير شأن» مستتر بعد الفعل: «إخال» ؛ فالتقدير: «إخاله. فيكون ضمير الشأن المستتر هو المفعول به الأول، و تكون الجملة الاسمية بعده: (لدينا تنويل) فى محل نصب، تسد مسد المفعول الثانى، إذ يصح فى الأفعال القلبية-كما سبق، فى «ا» ن ص ٢٣-أن يكون مفعولها الثانى جملة أو غيرها. و بهذا التأويل الخيالى لا يوجد فى الكلام ناسخ متقدم لم يعمل. أى: لا يوجد فى الكلام إلغاء، و لا مخالفة لوجوب عمل الناسخ المتقدم... فلم هذا؟ما فائدته؟إن واقع الأمر صريح فى مخالفة التعبير للقاعدة.
و السبب هو الضرورة الشعرية، أو المسايره للغة ضعيفة، أو ما إلى ذلك مما يخالف اللغة الشائعة فى البيان الرفيع الذى يدعونا لهجر تلك التأويلات، و الفرار منها؛ حرصا على سلامة اللغة، و إيثارا للراحة من غير ضرر، و الاقتصار فى القياس على ما لا ضعف فيه، و لا شذوذ، و لا تأويل...
و من الأمثلة أيضا قول الشاعر:
كذاك أدّبت حتى صار من خلقى # أنى وجدت ملاك الشيمة الأدب
ففى البيت فعل قلبى (هو: وجد) لم ينصب، مع أنه متقدم. فلماذا أصابه الإلغاء مع تقدمه؟ يجيبون بمثل الإجابة السابقة؛ فيتأولون. و يتخيلون وجود «ضمير شأن» مستتر بعد ذلك الفعل، و يعربون هذا الضمير مفعوله الأول، و الجملة الاسمية: «ملاك الشيمة الأدب» فى محل نصب سدت مسد المفعول به الثانى. أو: يقولون: إن الفعل أصابه «التعليق» بسبب وقوع لام ابتداء مقدرة بعده، و أصل الكلام كما يتخيلون: «أنى وجدت لملاك الشيمة الأدب» ... و فى هذا ما فى سابقه مما يوجب عدم الأخذ بمثل هذا التخيل، و التأول، و اتقاء ضرره بالاقتصار على ما لا حاجة فيه إلى تصيد و تحايل.