النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٠ - الحكم الأول-التعليق
(حـ) حرف من حروف النفى الثلاثة [١] : (ما-إن-لا) دون غيرها من أدوات النفى الأخرى. فمثال «ما» النافية: علمت ما التهوّر شجاعة. و مثال
ق-لا محل لها من لإعراب. و قد أجابوا: بأنها لا محل لها باعتبارها: «جواب قسم» -و لا مانع أن يكون لها محل باعتبار آخر؛ هو: «التعليق» و معنى هذا أن جملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب إذا لم يوجد عامل يحتاج إليها حتما؛ فإن وجد عامل يحتاج إليها حتما كانت معمولة له. و قيل إن: «العلم» فى المثال السالف منصب على مضمون جملة الجواب فقط، بدون نظر إلى أنها جواب قسم؛ فجملة الجواب وحدها على هذا الاعتبار فى محل نصب سدت مسد المفعولين. (راجع الصبان جـ ٢ عند الكلام على أدوات التعليق) .
و فى هذا الرأى راحة و تيسير؛ لأنه واقعى؛ لا يلتفت إلى الجملة القسمية المستترة، و لا يتناسى أن جواب القسم هنا ليس مجلوبا للقسم: و إنما الغرض الأساسى الأول هو إيفاء الناسخ ما يريده، و لا ضرر فى أن يستفيد القسم منه بعد ذلك.
(و سيجىء الكلام على جملة القسم و جوابه فى باب حروف الجر (ص ٤٦٠ و ٤٦٧-و ما بينهما، و فى ص ٤٦٦ النص الخاص بأن جملة جواب القسم قد يكون لها محل إعرابى مع جملة القسم) .
[١] سواء أكان كل واحد منها ناسخا أم مهملا، فالأولان قد يعملان عمل «ليس» ، و الأخير قد يعمل عمل «إنّ» أو: «ليس» فاثلاثة مع الإعمال أو الإعمال صالحة لأن تكون أداة تعليق. و لا داعى لاشتراط بعضهم القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لأن هذا الاشتراط-فوق ما فيه من تضييق- لا سند له من النصوص الفصيحة الكثيرة، فالوارد منها يدعو إلى إغفاله. و يزيد التمسك بإغفاله قوة ما يقوله أصحابه من أن القسم قبل هذه الأدوات الثلاثة يجب تقديره إن لم يكن ظاهرا فى الجملة؛ مثل: «علمت ما محمد جبان» إذ يقدرونه: علمت و اللّه ما محمد جبان. فما الحاجة إلى التقدير و التأويل بغير داع؟و لا سيما التأويل القائم على مجرد التخيل المذكور. و إنه لتخيل مستطاع فى كل صورة خالية من القسم، فتصير به صحيحة إلا أنه يدفعنا إلى الدخول فى الجدل المرهق الذى مر فى المسألة السابقة-فى رقم ٣ من الصفحة الماضية-الخاصة بجواب القسم و محله من لإعراب، كما سيفتح علينا أبوبا أخرى للاعتراض و الجدل؛ نحن فى غنى عنها، و لا حاجة للبيان اللغوى الناصع بها.
و زيادة فى البيان نقول: إن اشتراط القسم مقصور عند جمهرة النحاة على «لا-إن» -النافيتين، و لا يكاد يوجد خلاف فى صدارة «ما» النافية غير الزائدة؛ عاملة و غير عاملة. فقد جاء فى الجزء الأول من «المغنى» عند الكلام على «لا» ما نصه:
(تنبيه-اعتراض «لا» بين الجار و المجرور فى نحو: غضبت من لا شىء، و بين الناصب و المنصوب فى نحو قوله تعالى: «لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَى اَللََّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ» .. و بين الجازم و المجزوم فى نحو: «إِلاََّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي اَلْأَرْضِ.. » و تفدم معمول ما بعدها عليها فى نحو قوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا.. » -دليل على أنها ليس لها الصدر. بخلاف «ما» ...
«اللهم إلا أن تقع فى جواب القسم فإن الحروف التى يتلقى بها القسم كلها لها الصدر. و لهذا قال سيبويه فى قوله: «آليت حب العراق الدهر أطعمه... » أن التقدير: على حب العراق، فحذف الخافض، و نصب ما بعده؛ بوصول الفعل إليه، و لم يجعله من باب: «زيدا ضربته» ؛ لأن التقدير «لا أطعمه» و هذه الجملة جواب: لآليت؛ فإن معناه: حلفت. و قيل: لها الصدر مطلقا، و قيل: «لا» مطلقا. و الصواب الأول) ١ هـ و إنما قال سيبويه ذلك لأن «لا» هنا لها الصدارة فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، و لا يفسر عاملا أيضا.. و قال الأشمونى عند سرد الأدوات التى لها الصدارة، و يحدث التعليق بسببها ما نصه: -