النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣١١ - زيادة و تفصيل
بدلا منصوبا من كلمة: «شيئا» المنصوبة. و حتموا أن تكون بدلا مرفوعا من كلمة: «شيئا» باعتبار أصلها؛ فقد كانت خبرا مرفوعا للمبتدأ قبل مجىء «ما» الحجازية التى تعمل عمل: «ليس» . و سبب المنع أن المستثنى منه منفى، و المستثنى موجب، و العامل فى الاثنين واحد؛ هو: «ما» الحجازية، فتكون «ما» الحجازية قد علمت فى الموجب، و هى لا تعمل إلا فى المنفىّ.
ذلك رأيهم و دليلهم [١] فى كل ما سبق من الأمثلة الممنوعة، و هو رأى غريب (إذ ما الحكمة-كما قال بعض آخر [١] من النحاة-فى ارتكاب هذا التكلف [٢] ؟مع أن القاعدة: أنه يغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى المتبوع [٣] .
و مثلوا له بقوله تعالى: «اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ» -* حيث لا يمكن تسليط العامل على المعطوف [٤] -فهلا جاز هنا فى البدل الجر أو النصب تبعا للفظ المبدل منه بناء على هذه القاعدة... ) [٥] .
و شىء آخر له الأهمية الأولى، و لا أعرف أنهم ذكروه؛ هو كلام العرب فى مثل ما سبق، و المأثور من أساليبهم، أجاء خاليا من إتباع المستثنى للفظ المستثنى منه، أم لم يجئ؟و فى الحالتين لا يقوم دليل على المنع؛ لأن عدم المجىء ليس معناه التحريم، فالأمر السلبى لا يكفى فى انتزاع حكم قاطع مخالف للمألوف فى نظرائه التى يتبع فيها البدل حركة المبدل منه اللفظية، كما أن المجىء قاطع فى الصحة.
(١ و ١) راجع الأشمونى، و حاشية الصبان جـ ٢ أول باب: «الاستثناء» ، عند الكلام على البدل، فى الكلام التام غير الموجب.
[٢] عرضنا صورا من تطبيقه فى آخر الجزء الثالث عند الموازنة بين عطف البيان و بدل الكل.
[٣] و قد يعبرون عن هذه القاعدة بتعبيرات مختلفة الألفاظ متحدة المعانى؛ منها: (يغتفر كثيرا فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل) -كما جاء فى الصبان، فى باب الإضافة، عند الكلام على: «أى» و منها: (يغتفر فى الثوانى ما لا يجوز فى الأوائل) -كما جاء فى الهمع جـ ١ ص ٢١٥ عند الكلام على الظرف: «لدن» -انظر ما يتصل بهذا فى رقم ١ من هامش ص ٦٧ و ص ٤٩٠.
[٤] لأن فعل الأمر لا يرفع اسما ظاهرا. و مثل هذا ما يقال فى الحرف: «ربّ» من صحة عطف المعرفة على الاسم المجرور بها مع أن «رب» لا يجر إلا النكرة-كما سيجىء فى حروف الجر-.
[٥] و قد ردوا كلامه بأن الأخذ بتلك القاعدة إنما يكون فى بعض المواضع دون بعض و ليست مطردة.
و هذا غريب أيضا.