النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢١٤ - المسألة ٧٦
و لا تحتمل مرادا غير ما يراد منه؛ فهى نص فى معناه [١] الحقيقى، نحو: أنت تعرف لوالديك فضلهما، يقينا. أى: توقن يقينا، فجملة: «تعرف لوالديك فضلهما» هى فى المعنى: «اليقين» المذكور بعدها، لأن الأمر الذى توقنه هنا هو:
الاعتراف بفضل والديك، و الاعتراف بفضل والديك هو الأمر الذى توقنه، فكلاهما مساو للآخر من حيث المضمون.
و مثلها: سرّتنى رؤيتك، حقّا، بمعنى: أحقّ حقّا، أى: أقرر حقّا.
فالمراد من: سرتنى رؤيتك، هو المراد من: «حقّا» ، إذ السرور بالرؤية هو: «الحق» هنا، و الحق هنا هو: «السرور بالرؤية» . فمضمون الجملة هو مضمون المصدر، و العكس صحيح. فكلمة: «يقينا» ، و «حقّا» و أشباههما من المصادر المؤكدة لنفسها، منصوبة بالفعل المحذوف وجوبا، النائبة عنه فى الدلالة على معناه. أما فاعله فقد صار بعد حذف الفعل فاعلا للمصدر، و هذا الفاعل ضمير مستتر تقديره فى المثالين: أنا.
و لا يصح فى هذا النوع [٢] من الأساليب تقديم المصدر على الجملة التى يؤكد معناها، و لا التوسط بين جزأيها.
و منها: الأسلوب الذى يكون فيه المصدر مؤكدا لغيره؛ بأن يكون المصدر واقعا بعد جملة معناها و مدلولها ليس نصّا فى معنى هذا المصدر و مدلوله؛ و إنما يصح أن ينطبق على معناه و على غيره قبل مجيئه؛ فإذا جاء هذا المصدر امتنع الاحتمال، و زال التوهم و صار المعنى نصّا فى شىء واحد؛ نحو: هذا بيتى قطعا، أى:
أقطع برأيى قطعا. فلو لا مجىء المصدر: «قطعا» لجاز فهم المعنى على أوجه متعددة بعضها حقيقى، و الآخر مجازى... -أقربها: أنه بيتى حقّا، أو:
[١] و لذلك سمى المؤكد لنفسه، لأنه بمنزلة إعادة الجملة التى تتضمن معناه نصا؛ فكأنه نفس الجملة التى أعيدت، و كأنها ذاته.
[٢] من هذا النوع: لا أفعل الأمر ألبتة. فكلمة: «ألبتة» ، مصدر حذف عامله وجوبا.
و التا فيه ليست للتأنيث، و إنما هى للوحدة. و معنى «البت» القطع. أى: أقطع فى هذا الأمر القطعة الواحدة؛ لا ثانية لها، فلا أتردد، ثم أجزم بعد الترد. و قد تكون «أل» هنا للعهد، أى: القطعة المعهودة بيننا؛ و هى التى لا تردد معها. فألبتة: تفيد استمرار النفى الذى قبلها. و لو لم توجد لكان انقطاء محتملا. و الأفصح ملازمة: «أل» لكلمة: «ألبتة» فى الاستعمال السالف و أن تكون همزتها للقطع.