التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٩١ - اعتبار التغير الحسي
..........
و أما (الصورة الثالثة): فالتحقيق أن التقدير بهذا المعنى كاف في الحكم بالانفعال، إذ الفرض ان التغير حاصل واقعا لتمامية المقتضى و الشرط غاية الأمر أن الحمرة أو النتن يمنع عن إدراكه و إلا فالإجزاء الدموية موجودة في الماء و ان لم يشاهدها الناظر لحمرته، و هو نظير ما إذا جعل أحد على عينيه نظارة حمراء، أو جعل الماء في آنية حمراء، فإنه لا يرى تغير الماء إلى الحمرة بالدم حيث انه يرى الماء أحمر لأجل النظارة أو الآنية. و الأحمر لا ينقلب إلى الحمرة بإلقاء الدم عليه، مع انه متغير واقعا.
و أظهر من جميع ذلك ما إذا فرضنا حوضين متساويين كلاهما كر، و قد صبغنا أحدهما بصبغ أحمر، و فرضنا أيضا مقدارا معينا من الدم فنصفناه، و ألقينا كل نصف منه على كل واحد من الحوضين، و تغير بذلك الحوض غير المنصبغ بالصبغ. أ فلسنا نحكم حينئذ بتغير المنصبغ أيضا بالدم؟ لأن الماءين متساويان، و ما القي على أحدهما إنما هو بمقدار الملقى على الآخر و ان لم نشاهد تغيّر الثاني لاحمراره بالصبغ [١] و كيف كان فالصحيح في الصورة الثالثة كفاية التقدير كما بنى عليه سيدنا الأستاذ مد ظله في تعليقته المباركة على الكتاب فان الصورتين اللتين أشار إليهما دام ظله من قبيل
[١] فان الماء كما ادعوه لا لون له غير لون الماء، كما ان الشعر لا لون له غير البياض و انما يرى الماء أو الشعر أحمر أو أصفر أو بغيرهما من الألوان لأجل ما يدخلهما من الاجزاء المتلونة، فهما كالزجاجة التي تتلون بما في جوفها من المواد. فهي حمراء إذا كان في جوفها شيء أحمر أو سوداء إذا كان في جوفها شيء أسود. و هكذا مع ان لون الزجاجة هو البياض، فالشعر انما يرى أسود لما جعل فيه من مادة سوداء، و لذا يرى بلونه الطبيعي في الشيبة لانتهاء مادة السوداء في الشيبوبة، و كذا الحال في الماء.