التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٣٠٠ - (الطائفة الرابعة) ما دل بمفهومه على انفعال البئر إذا وقع فيها ما له نفس سائلة
..........
قبل الاغتسال حتى لا يتنجس به الماء و لا يبطل غسله. و مع عدم نجاسة بدن الجنب لا وجه لانفعال البئر بوقوعه فيها. إلا أن نلتزم بما ذهب إليه أبو حنيفة و بعض أصحابه من نجاسة الماء المستعمل في غسل الجنابة و لو مع طهارة بدن الجنب [١] إلا انه كما سنوقفك عليه في محله مما لا يمكن التفوه به، فان اغتسال الجنب ليس من أحد المنجسات شرعا.
ثم لو سلمنا نجاسة بدن الجنب فلما ذا لم يعلل (ع) منعه من الاغتسال في الآبار ببطلان الغسل حينئذ، إذ لو كان بدن الجنب متنجسا فلا محالة يتنجس به الماء و الغسل بالماء المتنجس باطل، و انما علله بقوله «و لا تفسد على القوم مائهم» مع أن الغسل قد يتحقق في مورد لا قوم فيه، أو نفرضه في بئر داره و هي ملكه و بهذا و ذاك يظهر ان المراد بالإفساد في الرواية ليس هو التنجيس، بل المراد به أحد أمرين:
«أحدهما»: ان الطباع البشرية تنزعج عن الماء الذي اغتسل فيه أحد، و تتنفر عن شربه و استعماله في الأغذية، و لا سيما بملاحظة أن البدن لا يخلو عن العرق و الدسومة و الكثافة، و عليه فالمراد بالإفساد إلغاء الماء عن قابلية الانتفاع به فغرضه (ع) نهي الجنب عن الوقوع في البئر كي لا يستلزم ذلك تنفر القوم و عدم رغبتهم في استعمال مائها و بقاء الماء بذلك بلا منفعة و «ثانيهما»: ان الآبار كالاحواض تشتمل على مقدار من الوحل و الكثافة المجتمعة في قعرها فلو ورد عليها أحد لأوجب ذلك اثارة الوحل و به يتلوث الماء و يسقط عن الانتفاع به، و هو معنى الإفساد.
و أما الطائفة الثالثة:- و هي الأخبار الواردة في لزوم التباعد بين البئر و البالوعة- فهي أيضا على طائفتين فمنها مالا تعرض فيه لنجاسة ماء البئر بعد كون البالوعة قريبة منها، و انما اشتمل على لزوم التباعد بينهما بمقدار ثلاثة
[١] قدمنا نقل أقوالهم في هذه المسألة في ص ١٤٠ و ١٤١ فراجع.