التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ١٢٣ - أدلة اعتصام الجاري القليل
..........
بالصحيحة و إن شئت توضيحه فنقول ان الاستدلال بالصحيحة من جهتين:
(إحداهما): ان الصحيحة دلت على ان ماله مادة ترتفع النجاسة الطارئة عليه بالتغير فيما إذا زال عنه تغيره، فماء البئر يرفع النجاسة العارضة عليه، لقوله (ع): (فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأن له مادة)، بلا فرق في ذلك بين كثرته، و قلته، لإطلاقها.
و إذا ثبت بالصحيحة ان ماء البئر يرفع النجاسة الطارئة عليه، فيستفاد منها انه دافع للنجاسة أيضا بالأولوية القطعية عرفا، من دون فرق في ذلك بين كثرته و قلته، لأن ما يصلح للرفع فهو صالح للدفع أيضا بالأولوية القطعية، و بعد هذا كله نتعدى من مورد الصحيحة و هو ماء البئر إلى كل ما له مادة كالجاري، و العيون، لعموم تعليلها.
و (ثانيهما): انا قدمنا ان ماء البئر إذا زال عنه تغيره، يحكم بطهارته لاتصاله بالمادة، و عليه فلا يترتب على الحكم بنجاسة ماء البئر عند ملاقاته النجس ثمرة، فيصبح لغوا ظاهرا. فإنه أي أثر للحكم بنجاسة ماء البئر في آن واحد عقلي، و ما فائدة ذلك الحكم؟ حيث انه حين الحكم بنجاسته يحكم بطهارته أيضا، لاتصاله بالمادة، و ما هذا شأنه كيف يصدر عن الحكيم؟! و بهذه القرينة القطعية تدلنا الصحيحة على اعتصام ماء البئر مطلقا كثيرا كان أم قليلا و بعد ذلك نتعدى منها إلى كل ماله مادة لعموم تعليلها كما مر. هذا كله في المقام الأول.
و (أما الكلام في المقام الثاني): فملخصه. ان ما يحتمل أن يكون معارضا لأدلة اعتصام الجاري، هو مفهوم قوله (ع): الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء [١]، فإنه دل بمفهومه على ان الماء إذا لم يبلغ قدر
[١] و هو مضمون عدة روايات منقولة في الباب ٩ من أبواب الماء المطلق من الوسائل.