من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - العمل الصالح جوهر لا مظهر
السليمة والإيمان المهيمن، إنه يسقط كما شجرة بلا جذور، وكما بناء بلا أساس وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ.
[١٨] عمارة المسجد لا تتم بوضع حجر فوق حجر، بل بتنفيذ كل الواجبات الدينية التي تجعل المسجد المبني معموراً حقيقة، وذلك بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالصلاة لله وإيتاء الزكاة، وبمقاومة الضغوط التي تأتي من القوى السياسية والاجتماعية وتحاول تركيع البشر ودفعه باتجاه التسليم للطاغوت إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فالخشية من غير الله تدفع البشر نحو التسليم له عمليًّا وهو الشرك.
وإذا توفرت هذه الشروط كاملة فإن جوهر الصلاح والفلاح وهو الوصول إلى الحقيقة يتحقق.
فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ وربما كان تعبير القرآن ب- عَسَى هنا أو ب- لَعَلَ في موضع آخر، للدلالة على عدم الركون إلى مظاهر الأمور، والسكون عند حد معين من العمل، أو من تحقيق شروط الهداية بل يجب العمل بجد ومثابرة والخشية من ألا يكون مقدار العمل كافياً لتحقيق الهدف المنشود كما الإنسان الذي يخشى موت ابنه من المرض، كيف يوفر كل الوسائل، ولكنه يظل يبحث عن المزيد من وسائل العلاج خشية الا يكون ما هيأه كافيا.
والعمل الصالح يزيد الهدى والعكس صحيح، إذ أن الظلم يحجب العقل، ويمنع البشر من الهداية كما يأتي في الآية القادمة.
[١٩] الأعمال الظاهرية ليست كالأعمال الجذرية .. فليست سقاية الحاج وتعمير المسجد الحرام كالإيمان بالله واليوم الآخر، والجهاد في سبيل الله لأن الكافر والمنافق والفاجر قد يقوم بمثل هذه الأعمال الظاهرية التي قد يتستر وراءها للقيام بالأعمال الشاذة* أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.
وقد جاء في الحديث: قيل: إن عليًّا قال للعباس
(يَاعَمِّ ألا تُهَاجِرُ، ألا تَلْحَقُ بِرَسُولِ الله؟!
. فقال: ألست في أعظم من الهجرة، اعمر المسجد الحرام، وأسقي حاج بيت الله. فنزل* أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [١].
[١] تفسير نور الثقلين: ج ٢ ص ١٩٤، شواهد التنزيل: ج ١ ص ٣٢٣ عن ابن سيرين، العمدة: ص ١٩٤.