من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٨ - بينات من الآيات
النار وصاحب المؤمنين الجنة.
[١١٤] نعم إن الإستغفار يجوز للمشرك وذلك بطلب الهداية له من الله سبحانه، كما كان الرسول صلى الله عليه واله يكرر هذه الكلمة في المواقف الحرجة من حياته الرسالية
(اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
[١]، وكما كان إبراهيم عليه السلام وعد أباه ان يستغفر له قال قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً [مريم: ٤٧- ٤٨].
ذلك لأنه كان يسعى آنئذ نحو هداية قومه وإخراجهم من ضلالتهم، أما بعدئذ حينما تبين له أن أباه وقومه أعداء لله وأن شركهم ليس لجهلهم بل للعناد والتحدي، هجرهم وتبرأ منهم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.
[١١٥] والله كذلك لا يأمرنا بمقاطعة المشركين فورا ومن دون سابق تبشير وإنذار، إنما علينا أن ندعوهم إلى ا لهدى بكل وسيلة، ومنها الدعاء لهم بالهداية، فإذا عاندوا تركناهم وتبرأنا منهم، كما أنه سبحانه لن يضل الناس بعد أن هداهم، وكشف لهم تفاصيل الشريعة.
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ إن هدايته إما تكون بالفطرة حيث خلق الله الناس وأركز في أنفسهم معرفته وزودهم بالعقل ليعرفوا الحق، أو تكون بالرسالة حيث بعث أنبياء ليهدوهم، فلما أهتدوا وأنعم الله عليهم بالرخاء طغوا ونسوا ما ذكروا به، هنالك يضلهم الله ويسلب منهم نعمة الهداية التي سبق وأنعم بها عليهم فلم يراعوها حق الرعاية، وأهملوا السنن التي بينها لهم، وأهملوا المحرمات التي أمرهم الله تعالى باتقائها واجتنابها حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون أي الذنوب التي يجب اجتنابها إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عليهم بأسباب شقاء الإنسان، وكيف يجب اتقائها، وعليم بواقع ذلك القوم الذي لم يجتنب الذنوب وارتكب أسباب الشقاء، لذلك فلما يضلهم، يضلهم بعلم سبحانه.
[١١٦] كذلك يجب ألا ينتمي الإنسان إلى قرابته بل إلى الله، فلا يستغفر للمشركين من أقاربه، لأن الله له ملك السماوات والأرض وأسرة الفرد لا تغني شيئا عن الله إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.
[١] بحار الأنوار: ج ١١ ص ٢٩٨.