من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٩ - بينات من الآيات حكمة الغضب
الطلب إنما هو من السفهاء، وأن هذا امتحان منك، وإنك رب الهداية، وإنك تضل من تشاء حين لا تريد هدايته، وإنك ولينا جميعا فاغفر لنا ما سلف من ذنوبنا، وأنت ارحم الراحمين فأنزل علينا رحمتك ونعمك.
أن الهدى الذي كان في كتاب الله لموسى عليه السلام كان يدعو البشر إلى الالتزام بالخط المستقيم بين حاجات الدنيا وتطلعات الآخرة، لذلك دعى موسى عليه السلام بأن يكتب الله لهم الحياة الحسنة في الدنيا والآخرة. وهذا لا يكون إلا بالتوجه إلى الله، وربنا الكريم بين له أن عذابه إنما هو من نصيب من يشاء، وأما رحمته فهي واسعة، وهي للذين يتقون ويزكون أنفسهم ويؤمنون بآيات الله عزوجل.
بينات من الآيات: حكمة الغضب
[١٥٤] يصور القرآن الحكيم النبي موسى عليه السلام عبر آياته العديدة شخصية سريعة الغضب، مما يطرح هذا السؤال: هل كان موسى فعلا كذلك أم أن ظروفه كانت تستدعي ذلك؟ بحيث لو وضعنا أيوب مثل الصبر والهدوء في مكانه لكان يفعل ذلك أيضا؟.
الواقع: أن بني إسرائيل كانت أمة مستضعفة اعتادت الذل والهوان، وكانت بالرغم من ذلك شديدة العلاقة بموسى باعتباره منقذا لها، لذلك كانت هذه الأمة بحاجة ماسة إلى التدخل المباشر من قبل موسى عليه السلام في شؤونها اليومية، والتدخل المباشر لم يكن ممكنا بصورة هادئة، إنما بطريقة تثير دخائل وأعماق هذه الأمة التي اعتادت الصياح والزجر.
من هنا نعرف أن غضب موسى عليه السلام كان يسكت كلما كانت الظروف العادية ترجع إلى الأمة، باعتبار أن غضبه ليس لنفسه وإنما لرسالته ولله وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ- ويبدو لي- أن غضب موسى لم يسكت عنه إلا بعد تصفية العناصر الخائنة، وقتل أعداد كبيرة منهم، وقبول توبة البقية، بعدئذ أخذ موسى عليه السلام يخطط لبناء مجتمع سليم.
أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ أن التخطيط للحياة الإسلامية في المجتمع إنما يكون بعد إرساء قاعدة التوحيد في النفوس، لذلك أخذ موسى عليه السلام يشرح ما في الألواح للناس بعد انتهائه من تصفية العناصر الخائنة، وكانت الألواح تهدي الناس إلى طريق رحمة الله ونعمته، ولكن هذه النعمة ليست إلا للمتقين لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.