من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - الإنسان والنسيان
عليه ويأنس إليه، ولذلك أيضا لا فوارق بين البشر ونظيره البشر، وخصوصاً لا فرق بين الذكر والأنثى فرقا حقيقيا ..
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فالرجل خلق متكامل مع الأنثى لذلك لا يسكن إلا إليها، ومن مظاهر السكن، إن كل شخص يشعر بنقص حتى يكتمل بالزواج، وآنئذ يكون بإمكان الطرفين تكميل حياتهما معا، فإذا وفر الذكر للحياة المتكاملة: القوة، والعزيمة، وخشونة التحدي، فان الأنثى توفر لها الرحمة، والعاطفة، ونعومة الرفق، وكلُ ما هو ضروري للتعاون ..
فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ أي مارست أعمالها العادية بسهولة ويسر، دون ثقل عليها من قبل الجنين، الذي يتكامل في رحمها بسرعة، أو ليس ذلك يدل على إتقان الصنعة، ولطف التدبير، من قبل الرب الحكيم العليم ..
فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ إن الشعور بالثقل لا يلازم أبدا الشعور بالصعوبة، إذ المرأة السليمة لا تشعر بصعوبة بالغة بسبب الحمل إلا قبيل الولادة، ولكن هذا الشعور إنما هو بهدف إشعارها بالمسؤولية القادمة، وذلك للاستعداد لها وتوفير وسائل الراحة والأمان للضيف الجديد، وهكذا نرى كيف يتغير الوالدان ويشعران بمسؤولية بالغة تجاه الوليد، وأول طلبهم هو: أن يكون خلاصة حياتهما وفلذة كبديهما سالما وصالحا، جسديا وروحيا، ولفرط الإحساس بالمسؤولية ينسيان الشركاء المزيفين ويتوجهان إلى الله ربهما، مثلما ينسى البشر كل الشركاء في أوقات العسر الشديد، بل ويتعهدان بالشكر لله، والقيام بواجبات الوليد الجديد مثل: التربية السليمة، والارتفاع إلى مستوى الأب والأم إذا آتاهما صالحا ..
الإنسان والنسيان
[١٩٠] ولكن سرعان ما ينسيا هذه التعهدات حيث يعودان إلى الشركاء، وهي كل القوى المادية التي تضغط على البشر باتجاهات منحرفة، مثل المجتمع الفاسد ورمزه السلطة، ومثل الثقافة الفاسدة ورمزها الأحبار، والرهبان، والشعراء، ومثل الاقتصاد الفاسد ورمزه أصحاب المال، والأنظمة الرأسمالية فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلَا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ولذلك لم يطبقا مناهج الله في تربية الأولاد، بل اتبعا الشركاء، فأفسداه اجتماعيًّا حينما أخضعاه للطاغوت، وأفسداه ثقافيًّا حيث سلماه بيد أدعياء العلم والدين وهما يعرفان فسادهم، وأفسداه اقتصاديا حيث ربطاه بعجلة الرأسمالية.