من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - من حقائق الرسالة
بينات من الآيات: التوكل سلاح المؤمن
[٧١] حين نتلوا قصة الرسالات السماوية في صراعها مع الجاهلية، نزداد وعيًّا بحقيقة هذه الرسالات وإيماناً بصدقها، ولهذا يكرر القرآن بيان هذه القصة الواحدة في جوهرها، والمختلفة في صورها، فهذا نوح شيخ المرسلين يتحدى قومه بسلاح الرسالة وحدها، متوكلًا على الله* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فإن كان قيامي ضد أفكاركم وتقاليدكم صعباً عليكم، وخروجي عن أطار الرسوم والعادات، بالرغم من أني واحد منكم، فأنتم قومي دون غيركم، والأصعب من ذلك عليكم أنني اذكركم بآيات الله، وأحاول ردعكم عن الأفكار والتقاليد التي آمنتم بها، فإن كان كل ذلك عندكم عظيماً ولا يمكنكم احتماله.
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ دون خوف منكم، ودون اعتماد على قوة مادية دونكم، بيد أن الله الذي أتوكل عليه قوي عزيز، لذلك لا أخشى منكم بل إنني اتحداكم بصلابة.
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ أي أجمعوا كل ما تملكون من قوة مادية ومعنوية، وأضيفوا إليها قوة شركائكم، دون أن تتركوا شيئاً من الإستعداد حتى لا تحزنوا غدا.
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً باعثاً للغم والأسى ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ.
من حقائق الرسالة
أي رتبوا أمركم فيما يخصني، وضعوا خططكم في مقاومة رسالتي، وتفاصيل مكركم ضدي بمتانة وإحكام، ولا تعطوني مهلة أبداً.
إنه تحداهم بقوة الرسالة، ونابذهم العداء اعتماداً على الله، مما دل على الحقائق التالية
أولًا: إن الرسالة ليست ناشئة الوسط الثقافي والاجتماعي حتى تكون متأثرة به سلبيًّا، بل انبعاث مبارك ضد سلبيات هذا الوسط.
ثانياً: إن الرسول مؤمن قبل أي أحد برسالته ويضحي من أجلها بكل ما يملك، ولو كان- حاشا لله- كاذباً أو ساحراً لما أقدم على التهلكة من أجلها.
ثالثاً: إن الرسالة ظاهرة غيبية تتحدى كل العوامل المادية وتنتصر عليها، والرسول