من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - بينات من لآايات الهيمنة والتدبير
الأرض أنها أصبحت محكومة لهم، وأنهم قادرون عليها، وعلى أنواع التصرف فيها، ولكن لا تبقى هذه الحالة إذ سرعان ما ياتيها أمر الله ليلًا أو نهاراً بعاصفة ثلجية، أو سيول هادرة، فإذا بها تحصد حصداً وكأنها لم تقم هكذا سابقا. هكذا يضرب الله لنا مثلًا، من ظواهر الدنيا التي هي آيات الله التي ينبغي أن نتفكر فيها.
ومادامت الحياة غير مأمونة العواقب، فعلينا أن نفتش عن أمان، والله يدعو إلى ذلك ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، يبلغهم دار السلامة والأمن في الدنيا، وفي الآخرة حيث يضمن للذين أحسنوا الفكر والعمل الحياة الحسنى وزيادة على فعلهم الحسن، تلك الزيادة قد تكون في غناهم الروحي والمادي، وأنهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
بينما الذين عملوا السيئات يجازيهم الله بمثل ما فعلوا، وتحلق بهم الذلة، ولا يستطيع شيء أن يمنع عنهم عذاب الله، ووجوههم مسودة كأنما قد أحاط بها الظلام، وهم أصحاب النار فيها خالدون.
بينات من لآايات: الهيمنة والتدبير
[٢٤] الذي خلق الطبيعة خلق الإنسان، والذي يقلب ظواهر الطبيعة من حال لحال، هو الذي يقلب حياة البشر، ولو تفكر الإنسان في خلق الطبيعة لعرف الكثير من خلق البشر.
والمنهج القرآني الفريد يذكرنا بهذه الحقيقة من خلال الأمثال التي يضربها من واقع الطبيعة ويطبقها على واقع الإنسان، فمثل حياتك في الدنيا وما فيها من طفولة وشباب وكهولة، إنما هو مثل الأرض شتاء وربيعا ثم خريفاً فصيفاً.
إنك ترى الأرض هامدة فينزل الله عليها ماء من السماء، ويكون الماء عاملًا مساعداً لتفاعل ذرات الأرض مع بعضها، فالأملاح تدخل في قلب البذرة الحية، فتنمو هذه الأخيرة وتصبح فاكهة لذيذة يتمتع بها الناس، وعشباً غنيًّا يأكله الأنعام، وتفترش الأرض بساطاً مزروعاً فيه منافع الأرض وزينتها، ويتصور الناس أن هذه الحالة دائمة لهم وأنه المسيطرون على خيرات الأرض، ولكن سرعان ما يعصف بالزرع أمر الله في صورة عاصفة ثلجية فتصبح الأرض بلقعاً، وكأنه لم يكن عليها شيء قائم بالأمس.
وهكذا حياتك تبدأ بالنشاط والزهو، ويبارك الله فيها بالغنى والقدرة حتى تغتر بنفسك،