من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - التطرف في الكفر
التفسيرات الباطلة وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فموسى عليه السلام لا يزال عندهم ذلك الساحر العليم الذي يعرف كل وسائل السحر، وهدفه ليس هداية البشر بل تسخير الناس لأهدافه الخاصة، لذلك فهم مصرون على الكفر به، وبآياته أنى كانت واضحة.
وهذه المرحلة السحيقة من الكفر هي أخطر دركات السقوط، حيث يصنع الفرد لنفسه تابوتا من المسلمات الفكرية ويصمم على الاحتفاظ بها أنى كان الثمن، إنه عين الضلالة وقمة التعصب الأحمق.
على الإنسان أن يبقى أبدا مفتوح العين، يقظ الضمير، نابه الروح، ولا يقتل وجدانه تحت مطرقة شهواته، ولا يعمي عينه بمسامير بغضه وحقده، ولا يميت ضميره بحب أو بغض.
إن كثيرا منا يزعم انه إذا فتح عينه مرة واحدة، واتخذ طريقا لنفسه يستطيع أن يبقى على ذات الطريق إلى الأبد، ويستغني عن عينه، ولكن كلا .. إن عقل الفرد يتكامل، وروحه تكبر حتى تتسع لمزيد من الحقائق، وفكره ينمو، والعالم يتغير، وآيات الحقيقة تترى .. ولذلك فعلى الإنسان أن يبقى أبدا على يقظة وانتباه، ويستغل كلما لديه من وسائل اكتشاف الحقيقة من عقل وضمير.
[١٣٣] ولأن آل فرعون افقدوا أنفسهم نعمة البصيرة، واختاروا التفسير الخاطئ لكل الحوادث، فان الآيات المختلفة التي توالت عليهم لم تزدهم إلا رسوخا في الكفر، وتوغلا في الجحود، لذلك أرسل الله عليهم الطوفان ففاضت أوديتهم حتى دخل الماء بيوتهم، فنصبوا الخيام في الصحراء، ثم أرسل الله عليهم الجراد فأكلت محاصيلهم الزراعية، وانتشر فيهم القمل، والحشرات، والضفادع التي توالدت بسرعة في برك الماء المكونة من الفيضانات، وابتلوا بالدم ربما بسبب الرعاف أو بعض الأمراض الآتية بسبب بعض الجراثيم (كما قال بعض المفسرين) ولكن كل ذلك لم ينفعهم علماً وهدى فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وتَعَالوا عن الحقيقة، وزعموا أن ذواتهم هي أعلى من الحقيقة، وأرادوا تغيير قوانين الكون حسب أهوائهم، لا تزكية ذواتهم حسب أنظمة الكون وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ حيث إنهم ظلموا أنفسهم باستكبارهم عن الحقيقة، إن تقدم البشر في أي حقل من حقول الحياة إنما هو رهن بمعرفة أنظمة الكون، واستغلال هذه المعرفة من أجل تسخير الحياة، وتبدأ مسيرة القهقرى حين يستهين بهذه الأنظمة، ويتعالى عنها فيظلم نفسه بذلك.