من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - دلائل إلهية الرسالة
بينات من الآيات: الأيمان طريق المعرفة
[١٥] الإيمان بالآخرة يؤثر بصورة مباشرة في فهم الحقائق، اذ أن الغرور والاستكبار ودواعي الشهوة والغضب قد يكون كل أولئك سبباً في نكران الحقيقة، أو عدم الإنتباه إليها، والتهاون بشأنها، فإذا آمن البشر باليوم الآخر وعرف ما فيه من أهوال وعذاب أليم، عاد إلى رشده وأخذ يفكر في الحياة بواقعية لكي ينقذ نفسه من شرور ذلك اليوم.
من هنا تجد الذين لا يؤمنون ولا يرجون لقاء الله، يستهينون بآيات الله الواضحة، ويطالبون الرسول بتغيير القرآن جملة واحدة، أو لا أقل تبديل تلك الآيات التي تمس مصالحهم وتخالف ثقافتهم، فالمستكبرون مثلا يطالبون بقرآن يؤيد تسلطهم اللامشروع على المستضعفين، والمسرفون يطالبون بقرآن يبرر استغلال المحرومين .. وهكذا.
ولكن هل القرآن كتاب الرسول أم كتاب الله؟ وكيف يغير الرسول كتاب ربه، وهو يؤمن بيوم القيامة، ذلك اليوم العظيم الذي يجعل الولدان شيبا؟. إن إيمان الرسول بلقاء الله يمنعه من تبديل رسالة الله، أو الخضوع لضغوط البشر الهادفة تغيير بنود القرآن.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ يبدو أن المعنى غيره كله أو بعضه قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي فالكتاب كتاب حق وعلم وعقل، ولا يداخله هوى النفس وشهواتها ومصالحها إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ فالرسول يتبع الوحي ويدعو الناس إلى إتباعه، وهو يخشى ما ينبغي أن تخشاه، وهو عذاب يوم القيامة ذا الأهوال.
دلائل إلهية الرسالة
[١٦] ولو شاء الله سبحانه لمنع الوحي عن رسوله، فلم يستطع تلاوته على الناس وإعلامهم بما يحتويه، والشاهد على ذلك أن الرسول بقي في قومه عمرا طويلا وزمنا ممتدا ولكنه لم يبين لنا شيئاً من ذلك الشلال الهادر من الهدى والبينات، ولو كان الكتاب من نفسه وأفكاره وملاحظاته وتجاربه، إذا لنشره في كل مناسبة خلال هذه الفترة الطويلة قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ كما أن ربنا قادر على توقيف الوحي فلا يقدر الرسول على تلاوته وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ولم تكن هذه الأفكار وتلك البينات والبصائر شبيهة أبداً بما كان في الجاهلية لا من قريب ولا من بعيد.