من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - الغلطة الأولى
[٤٣] وكذلك هناك بعض من لم يعرف هذه الحقيقة، إن الهداية هي أولى مسؤوليات البشر، وإن من لا يعمل من أجلها لا يبلغها أبداً وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ وكأن الرسول هو المسؤول عن هدايته وعن توجيهه أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ فالأعمى لا يرى، لا لأن الضوء قليل، بل لأن جهاز الإستقبال معطب، والتحرك يجب أن يكون ابتداءً من الفرد نفسه.
[٤٤] ولا يجوز أن يزعم الإنسان أن الله هو الذي سلب الفرد سمعه وبصره، بل الإنسان هو نفسه الذي لاينفع بسمعه وبصره.
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فالناس هم الذين لا يستفيدون من أدوات التوجيه عندهم، وربما عبر القرآن بكلمة الناس لسبب هو أن بعض الناس يضلل بعضهم بعضاً، وأنهم مسؤولون عن هداية بعضهم، كما أن التعبير القرآني في السمع جاء بصفة جماعية، بينما جاء عند التعبير عن البصر بصفة فردية، ربما لأن السمع عملية حضارية يكلف بها الناس جميعاً، بينما البصر يغلب عليه الجانب الفردي.
[٤٥] للإنسان الجاهلي غلطتان كبيرتان
الغلطة الأولى
عدم فهم طبيعة الجزاء وأنه ليس من الضروري أن يكون بعد العمل مباشرة. الجزاء يأتي وكل آت قريب لذلك لا يجوز للإنسان من أن يكفر بالجزاء لأنه قد تأخر قليلًا عنه ثم الجزاء الموعود في القرآن ليس جزاء بسيطاً لأنه يتسم بصفتين أساسيتين
الأولى: إنه جزاء خالد.
الثانية: إنه لا يمكن للإنسان أن يهرب منه أو يطلب الإذن من ربه في العودة إلى الدنيا لتجربة إرادته مرة اخرى.
وبالقياس إلى الخلود الذي يتسم به الجزاء الإلهي على الأعمال فإن الفترة التي يقضيها الإنسان في الدنيا بسيطة وبسيطة جداً وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ الفترة التي كانوا خلالها في الدنيا تعتبر بالقياس إلى زمن الآخرة ساعة واحدة ويكفيك للقياس أن تعلم بأنك قصارى ما تعيش في الدنيا سبعين عاماً أو ثمانين أو اكثر أو أقل بينما تعيش في يوم القيامة في يوم واحد فقط خمسين ألف عام، هل بإمكانك ان تقيس هذه الفترة المحدودة بذلك الزمن الممتد إلا أن تقول أن هذه ساعة من ذاك.