من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - بينات من الآيات المجاهد يتحدى الضغوط الاجتماعية
وألا يتخذوا أقاربهم أولياء إن فضلوا الكفر على الإيمان. ذلك لأن أي خلل في الإنتماء يبعث خللا في الإيمان، فلو كان الأب أو الأخ أو الزوج أو العشيرة أو المال والتجارة أو المسكن أحب إلى الفرد من إيمانه بالله ورسوله، ومن جهاده في سبيل الله، فلا بد أن ينتظر أمر الله الذي لا يحمل بالتأكيد في طية الهداية والفلاح للظالمين والفاسقين.
وكمثل على هذا الخلل وأثره السلبي على الصراع ما جرى في يوم حنين، إذ كان اعتماد الجيش على كثرتهم التي غرتهم لا على الإيمان، فلم تغنى عنهم من الله شيئًا، إذ انهزم الجيش وضاقت عليهم الأرض على سعتها، ولكن الله انزل سكينته على الرسول والمؤمنين فاطمأنت قلوبهم، وأنزل جنوداً من عنده فهزموا الكفار وعذبوا عذابا شديدا.
بيد أن الهزيمة كانت تجربة صاغت نفسية المسلمين فتاب بعضهم، فتاب الله عليهم، وكان الله غفوراً رحيماً.
إن هذا الدرس يحدد بعض الشروط الاجتماعية للجهاد بينما حدد الدرس السابق بعضاً من شروطه النفسية والثقافية.
بينات من الآيات: المجاهد يتحدى الضغوط الاجتماعية
[٢٣] الولاء في المجتمع المسلم يجب أن يكون للعقيدة قبل أي شيء آخر، فحتى الولاء العائلي الذي يحبه الإسلام ويعتبر الأسرة الوحدة الاجتماعية الضرورية، يجب أن يكون في إطار الولاء الإيماني لا منافساً له يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وقد كان هذا الإنتماء الرسالي الخالص سبباً في انتصار الرسالة في عصر الرسول، يقول الامام علي عليه السلام
(وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله نَقْتُلُ آبَاءَنَا وأَبْنَاءَنَا وإِخْوَانَنَا وأَعْمَامَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وتَسْلِيماً ومُضِيًّا عَلَى اللَّقَمِ وصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ وجِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ولَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا والْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ومَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ وأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ ومُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ ولَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ ولَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ وايْمُ الله لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً ولَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً)[١].
[١] نهج البلاغة: خطبة ٥٦:.