من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٠ - لا حتميات بل حقائق
الله وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ فالضراعة هي هدف البأساء والضراء في الحياة، والبأساء- حسبما يبدو لي-: كل سوء يصيب البشر بأيديهم كالحروب، والفقر الناشئ من وضع اجتماعي سيئ، والظلم والإرهاب، بينما الضراء هي: الخسارات التي تصيب البشر من البيئة الطبيعية كالكوارث والأمراض وما أشبه.
والضراعة هي: العودة إلى واقع الذات وما فيه من نقص وعجز وانحراف، بعيدا عن أي غرور أو استكبار، أو عزة بالإثم، والضراعة إلى الله تعطينا الثقة بقدرتنا على تجاوز كل ذلك بعون الله.
وربما تكون هذه الآية توضيحا لبداية انطلاقة المجتمعات وشروطها الواقعية، وهي ظروف قاسية يمر بها المجتمع فيتحداها بالضراعة، وهي وعي الذات وما فيه من نواقص يجب تكميلها، وإمكانيات يجب تفجيرها.
[٩٥] وبعد الضراعة وتكميل النواقص بالتوكل على الله، وبالاعتماد على قيمه السامية، تأتي مرحلة الرفاه حيث تتبدل الصعوبات إلى يسر وسلامة، ومن بعدها تأتي مرحلة الرخاء حيث تفيض النعم عن الحاجة، وهناك يفسد المجتمع بسبب الطغيان والترف والبطش فيصيبه الدمار، بيد أن الدمار لا يصيب المجتمعات شيئا فشيئا بل يصيبهم فجأة ومن دون شعورهم به ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا أي حتى كثرت النعم وأصبحت عفوا وزيادة تترك وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ.
لا حتميات بل حقائق
[٩٦] إن هذه المسيرة الدورية في المجتمعات ليست ضرورة حتمية، أو سنة إلهية قسرية لا يمكن الخروج من شرنقتها بالتصحيح والإصلاح مثلًا. بل هي حقائق تاريخية باستطاعة البشر تغييرها عن طريق الإيمان والتقوى، فإن الإيمان ضمانة فكرية وثقافية واجتماعية لبقاء عوامل الحضارة، والتقوى ضمانة تشريعية سياسية واقتصادية وسلوكية لبقاء إطارات الحضارة.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ربما تكون البركات هي كل ما يكمل حياة البشر ويطورها للأفضل وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إذ أن الظروف القاسية التي تصيب البشر تأتي بسبب تكذيبه للحقائق، واكتسابه للمنكرات من هنا نستطيع أن نستنبط فكرة جديدة في فلسفة التاريخ، وفلسفة الحضارات بين