من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٦ - الإيمان ومشيئة الله
تغنيه ولا تنفعه شيئا.
٤- إن انتظار الكفار هو تحول الغيب إلى شهود، والحقيقة المبشر بها إلى واقع قائم أمامهم، مثل أن ينزل عليهم فعلا العذاب الذي يتوعدهم به الرسل، وآنئذ لا ينفعهم الإيمان كما لم ينفع الذين كذبوا بالرسالات السابقة، وانما نفع المؤمنين من قومهم الذين نجاهم الله، وهذا وعد حق يقطعه الله على نفسه للمؤمنين عبر العصور إنه ينقذهم مما ينتظر الكفار من العذاب.
بينات من الآيات: الإيمان مادة الاختبار
[٩٩] لقد خلق الله الحياة ليختبر فيها الناس، وجعل مادة الاختبار الإيمان، وقد منح ربنا للبشر حرية القرار فيما يخص الإيمان، وكان بامكان ربنا القدير أن يهب الإنسان نعمة الإيمان بمثل ما وهب له نعمة العين، وأضاء له النهار، ولكنه لم يفعل، فعلينا الا نحاول اجبار الناس على الإيمان وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أي هل أنت تضغط عليهم باستمرار حتى يصبحوا مؤمنين، فهذا أمر يتنافى مع حكمة الاختبار في الدنيا، وهو لا يمكن عمليًّا لأنه بعيد عن سنة الحرية التي قررها الله للبشرية.
الإيمان ومشيئة الله
[١٠٠] ثم إن الإيمان ليس كأي عمل آخر يقوم به البشر، بل إن جانباً منه متعلق بمشيئة الله، فهو كالنصر في الحروب لا يمكن اليقين به مائة بالمائة وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فالله يأذن للنفس البشرية أن تقتبس شعلة من نور الإيمان، بعد أن توفر النفس في ذاتها كل العوامل الممكنة، وتتصل بربها عن طريق الضراعة والتبتل، وإذا كانت النفس منطوية على غل أو فساد، فإن الله العليم والمحيط بأبعاد النفس لا يأذن لها بالإيمان، وهذا الحقيقة تدعونا أولًا إلى اعتبار الإيمان مستوى رفيعاً لا يبلغه الفرد إلا بعد جهاد صعب، وبعدئذ فهو فضل من الله.
ثم إن الإيمان حقيقة خارجية، حيث إنه رؤية واضحة، وعرفان شامل، وتطويع للشهوات، وترويض للنفس الجموحة، فهو عموما رحمة من الله، إن الكفر نقمة ينزلها الله على من لا يعمل جاهدا من أجل الحصول على الإيمان وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ