من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - سوء المصير
كذب واستكبار
[١٣٤] ولقد أتم الله حجته على آل فرعون بتلك المصائب التي توالت عليهم، إذ أن البلاء يكشف الحجب الكثيفة التي يجعلها الفرد على عينيه مثل: التعصب، والحقد، والحب المفرط، ولكن إذا انكشف البلاء عادت الحجب، وعادت مشكلة الجحود.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْزُ وهو العذاب الآتي بسبب الانحراف، والشذوذ في الطبيعة أو في السلوك قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إن نظرتهم المادية الضيقة لم تزل لاصقة بأذهانهم، إذ أنهم لا يزالون يزعمون أن الهدف من بعثة موسى هو الانتفاع من وجوده في كشف الضر عنهم، ولم يفقهوا دور المعنويات في حياة البشر، وأن رسالات الله تنفع البشر في رفع معنوياتهم، ووضع برامج صائبة لهم، وليس فقط في دفع البلاء الذي يصيبهم بسوء أعمالهم، أما آل فرعون فقد كانت نظرتهم إلى الدين وإلى حاملي رسالته كنظرة كثير منا حيث نريد الدين لمصالحنا الذاتية لذلك قالوا لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ والرجز يكشفه الله بالتوبة والعمل الصالح، ولكنهم نسبوا الأمر إلى موسى عليه السلام لقصر نظرهم لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
[١٣٥] ولكن هل كانوا يصدقون؟ كلا .. فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ عهدهم ويعودون إلى سابق كفرهم وجحودهم، وعند ذاك تكتمل حجة الله عليهم، إذ لا يمكنهم في يوم الانتقام التعلل بأنهم إنما كفروا غفلة أو جهلا، فقد عرفوا الحقيقة ولجأوا إليها، وتعهدوا بالوفاء لها عندما أحاط بهم البلاء، والآن ينقضون العهد، وهذه التجربة يمر بها كل فرد وكل مجتمع، حيث أن الله سبحانه يأخذ البشر بالبأساء والضراء لكي يرفع عن أنفسهم حجب الغفلة والنسيان، ولكي يحتج عليهم لو عادوا إلى الكفر بعد الإيمان في أوقات العسرة.
سوء المصير
[١٣٦] وحان ميعاد الانتقام، وأغرق الله آل فرعون في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله، وبالتالي بالحقائق التي وراءها، وبسبب غفلتهم عنها وعن دورها في سعادتهم وخلافتهم فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ.
[١٣٧] وكما انتقم الله من آل فرعون لتكذيبهم بآيات الله، أنعم الله على بني إسرائيل لتصديقهم بها، وأورثهم الأرض المباركة ذات الخيرات الوفيرة وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا