من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٩ - موسى وفرعون النموذج البارز
وهكذا تكررت سيرة نوح عليه السلام عند موسى وهارون عليهما السلام باختلاف بعض التفاصيل، ولكن بذات المحتوى.
بينات من الآيات: خط الرسالة
[٧٤] رسالات الله تشكل خطا مستمرا عبر العصور، كما أن الجاهلية التي تقف أمام الرسالات تشكل خطاً ثابتاً في جوهره، وعلينا البحث عن خط الرسالات الذي يجسد اليوم واقع الرسالات السابقة بجوهرها فننتمي إليه.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كما الرسالات خط، فالجاهلية خط مستمر معها، فإن قوم نوح كذبوا رسالته، وكذب قوم إبراهيم عليه السلام برسالته لماذا؟.
لإشتراكهم جميعاً في دوافع التكذيب ومنها الإعتداء الذي هو تجاوز الحقوق، والإسراف في النعم، والذي جاءت رسالات الله من أجل إنقاذ البشر منه، وكما جاء في آية قرآنية أخرى حيث قال سبحانه لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٦]. فإقامة القسط والعدالة في الأرض هدف الرسالات الإلهية، كما أن منع الإسراف في الشهوات وتوجيه الغرائز، وبالتالي مقاومة ما يسمى بالظلم الذاتي هدف آخر للرسالات، وطبيعي في هذه الحالة أن يقف المعتدون الظالمون للناس أو لأنفسهم أمام الرسالة، ذلك لأن الظلم ظلمان فظلم في القلب، وظلم في السلوك السيء ينعكس سلبيًّا على النفس، ويحجب عنها نور العقل كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ فالمعتدون تنغلق قلوبهم عن الاهتداء، وهذه سنة من سنن الله سبحانه
موسى وفرعون النموذج البارز
[٧٥] وكمثل على هذه الحقيقة يستشهد به القرآن الحكيم، ليعطينا رؤية واضحة تجاه ما يمكن أن يكرر يوميًّا في حياة الناس، كمثل عليها قصة موسى وهارون عليهما السلام الذين بعثهما الله برسالاته إلى فرعون الطاغوت وملأه، أي كبار معاونيه المفسدين في الأرض، ولكن بسبب ممارستهم الجريمة، والظلم والإعتداء، وبسبب انعكاس سلوكهم الفاسد على فكرهم، استكبروا عن قبول الرسالة ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا