من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٧ - واقع المنافقين
مراجعة السوابق
[٤٨] يذكرنا القرآن بماضي المنافقين الاسود، وكيف أنهم كانوا في أيام السلم يقلبون الأمور لرسول الله صلى الله عليه واله، ويصورونها تصويراً مقلوباً لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ.
جاء في التفاسير وقلبوا لك الأمور: (أي صرفوها من أمر إلى أمر، ودبروا لك الحيل والمكائد، ومنه قول العرب حول قلب، إذا كان دائراً حول المكائد والحيل يدير الرأي فيها ويتدبره) [١].
وجاء وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ: (أي احتالوا في توهين أمرك وايقاع الاختلاف بين المؤمنين وفي قتلك بكل ما أمكنهم فلم يقدروا عليه، وقيل: إنهم كانوا يريدون في كيده وجها من التدبير فإذا لم يتم ذلك فيه تركوه وطلبوا المكيدة في غيره فهذا تقليب الأمور عن أبي مسلم) [٢].
وأتصور أن تقليب الأمور للرسول صلى الله عليه واله (ولم يأت عليه) يعني: تبيانها بصورة غير صورتها الحقيقية وذلك للإشارة إلى مدى كذب هؤلاء على الرسول صلى الله عليه واله وتمرسهم في الإشاعات الباطلة والله العالم.
ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل فهذا الدين قد ظهر، وذابت تلك الاشاعات في حرارة الإنتصار وتحقق الرسالة حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ كانوا يحاولون أبداً تحوير الحقائق بأقوالهم وإطفاء نور الله بما يخرج من أفواههم من ألفاظ فارغة لا تعني شيئاً.
واقع المنافقين
[٤٩] إن بعض المنافقين يريدون تطويع الدين لشهواتهم وأهوائهم ويطالبون القيادة الدينية بأن تسمح لهم بارتكاب بعض المحرمات. زعما منهم أن لهم الحق في ذلك ويهددون القيادة بأنها لو لم تأذن لهم بمثل ذلك لتركوا الدين ولخالفوا أوامر الله، وتكون الخطيئة على عاتق القيادة التي استصعبت عليهم الأمور، فهل هذا صحيح؟، كلا: إذ أن الدين هو المهيمن
[١] فتح القدير: ج ٣ ص ٣٦٧.
[٢] مجمع البيان: ج ٥ ص ٤٩.