من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٠ - دروس من حنين
يبتلعها لقمة لقمة، ويسهل على غول التخلف الاقتصادي أن يلتهم سعادتهم ورفاههم.
إن مصادر الطاقة والمعادن والأراضي الزراعية، والموقع الإستراتيجي في وسط العالم، والتراث الحضاري والألف مليون إنسان كل هذه القوى لم تكن قادرة على بناء حضارتنا في العصر الحاضر، ونخشى أن يبقى الوضع هكذا في المستقبل. لماذا؟.
لأن الإنتماء إلى الذات أشد من الإنتماء إلى الرسالة، وحين يكون الإنتماء إلى الرسالة ضعيفاً فإن الرؤية تكون محدودة ومسجونة في جدران الذاتية المغلقة، ولذلك أكدت الآية الكريمة على أن الإنتماء إلى الذات وإلى المصالح الذاتية سيكون سبباً للضلالة لأنه فسق.
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وحين يكون إنتماء الفرد إلى ذاته ومصالح ذاته، فإن ممارسته ستكون أيضاً خاطئة ويكون فاسقاً، وحينئذ يرى العالم بنظارة ذاته فلا يراه على حقيقته فتنزل عليه الكارثة.
دروس من حنين
[٢٥] وكمثل على هذه الحالة الشاذة يقص علينا ربنا قصة المسلمين في حنين، حيث توكل المسلمون على كثرة عددهم لا على ربهم وتضحياتهم فانهزموا لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مثلا في يوم بدر، حيث كان المسلم يقتل أباه وأبنه لأن التجمع الرسالي كان أمتن من الولاءات الأسرية أو الذاتية، وجاء في الحديث أن أبو الحسن الجواد عليه السلام قال
(إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ
لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
فَعَدَدْنَا تِلْكَ الْمَوَاطِنَ فَكَانَتْ ثَمَانِينَ) [١].
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً لأن الكثرة غير المتماسكة لا تغني شيئاً، إذ كل فرد يفقد إرادته وعزيمته وخلوصه، اعتماداً على الكثرة، وكل فرد أو فئة أو حزب أو طائفة أو عشيرة تفكر في مصالحها تفكر في أن تكون التضحيات من غيرها وتكون المكاسب لها.
وهكذا كانت الكثرة العددية للمسلمين اليوم غير نافعة لأنها كثرة كمية فقط، وفاقدة للوحدة الحقيقية، وهكذا تجد الأرض المقدسة في فلسطين بيد الأعداء برغم اهتمام الجميع بتحريرها.
[١] الكافي: ج ٧ ص ٤٦٣.