من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - مواقف المجتمع تجاه الجريمة
ظلم الذات
[١٦٣] وكمثل على ذلك الظلم الذي انتهى إلى العذاب بيّن الله عزوجل لنا قصة السبت، حيث أمرهم بألا يصيدوا يوم السبت تنظيما لحياتهم الاجتماعية، وراحة لهم وتفرغا للعبادة، ولكن الطمع دفع بهم إلى تجاوز حد الله في السبت إذ كانت الحيتان تأتيهم ظاهرة في يوم السبت وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وربما المراد بكلمة حِيتَانُهُمْ هو أن هذه الحيتان كانت لهم بالتالي، فإن لم يصيدوها في يوم السبت وفروها ليوم الأحد، ولكنهم لم يكونوا يفقهون تشريع هذه الظاهرة وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ يبدو أن المراد أنها في غير السبت لم تكن ظاهرة، وكان ذلك امتحاناً لهم وابتلاءً من قبل الله حتى يعرفوا مدى ضعفهم كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ إذا فسق الإنسان فسقاً خفيًّا وبطريقة منافقة فإن ربنا سبحانه يمتحنه امتحاناً صعباً وظاهراً، حتى لا يقدر على مقاومة الإغراء بسبب فسقه الخفي الذي أضعف إرادته وخور عزيمته، فيضطر إلى إظهار واقعه، وهذا معنى الابتلاء حيث أنه يظهر الواقع الخفي.
وفي القصص التاريخية بيان لطبيعة نفاق أصحاب هذه القرية، حيث أنهم كما جاء في تلك القصص يلقون الشباك في يوم السبت ثم يستخرجون السمك في يوم الأحد، أو أنهم كانوا قد صنعوا أحواضا على البحر يدخلها السمك يوم السبت ثم لا يستطيع أن يخرج منها فيصيدونها يوم الأحد.
مواقف المجتمع تجاه الجريمة
[١٦٤] وانقسم أهل هذه القرية الساحلية إلى ثلاث فرق: بعضهم المجرمون، وبعضهم الساكتون على الجريمة، وبعضهم الناهون عنها، وينقل الله سبحانه حواراً بين الساكتين والناهين وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً أي ما لكم تعظون المجرمين الذين لا فائدة من وعظكم إياهم، بل سوف يهلكهم الله أو يعذبهم.
قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ لأن النهي عن المنكر واجب شرعي حتى ولو كان بهدف تسجيل الحضور، وبيان انحراف المنحرف، ولو من أجل الأجيال القادمة، والله لا يعذر البشر بمجرد الاعتقاد بأن النهي عن المنكر لا ينفع وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وهناك أمل بان يتقي جماعة منهم ربهم فيكفي ذلك ثواباً.