من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - فلسفة الاستبداد
[١٢٠- ١٢١- ١٢٢] والمفاجئة كانت حين ألقى السحرة ساجدين، تلك كانت الإصابة في مقتل النظام الماكر وذلك أن السحرة هم أكثر من يميز بين السحر والمعجزة، ويبدو أنهم بوصفهم النخبة المثقفة كانوا على اطلاع ببعض الرسالات السماوية ولو من خلال نبي الله يوسف عليه السلام، وفي اللحظة الحاسمة التي حدثت صدمة المعجزة آبوا إلى الرشد وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى.
فلسفة الاستبداد
[١٢٣] للاستبداد فلسفة يعتمد عليها ويشيعها الطاغوت بين الناس، هذه الفلسفة هي قاعدة كل تشريعاته، ومنطلق كل تصرفاته، وهي: المحافظة على الأمن ضد العدو الخارجي أو الداخلي، حتى أن الطواغيت يصطنعون عادة أعداء وهميين، أو يستزيدون عداء الشعوب فيختلقون الحروب لكي يعتمدوا عليها في ترسيخ كيانهم الباطل، وفرعون كذلك عاد إلى تلك الفلسفة الباطلة لكي يخرج من ورطته المخزية، حيث انهار عمود من أعمدة حكمه وهو السحر، ووقع السحرة ساجدين لله لذلك قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إن فرعون انطلق من فكرة خاطئة هي: أن ملكه ونظامه هو أساس أمن البلد، لذلك فإنكم حين آمنتم بموسى قبل أن تستصدروا الأذن مني فإنكم خالفتم هذا الأساس، لذلك قال فرعون إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ أو بالتعبير الشائع اليوم إنها مؤامرة قمتم بها في البلد لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
[١٢٤- ١٢٥] وعاد إلى السلاح الأخير وهو الإرهاب، ذلك السلاح الذي يعتمد عليه الظالمون والطغاة قبل كل شيء، بالرغم من أنهم لا يصرّحون به، ومن أهم نتائج الصراعات الرسالية مع الطغاة والظالمين هو: فضح اعتمادهم على الإرهاب ليعرف الجميع أن الادعاءات الأخرى إن هي إلا غطاء لهذا السلاح لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي تقطيع الرجل من طرف واليد من طرف آخر ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ وذلك للجمع بين النوعين من أنواع الإعدام، الإعدام بنزف الدم من اليد والرجل المقطوعتين من اليمين واليسار، والإعدام بالصلب في جذوع النخل، وذلك بشد الفرد على الجذوع حتى يقضى عليه تنكيلا به، وليشهد موته كل الناس فيكون رادعا لهم عن الإيمان بالرسالة قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ.
[١٢٦] وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وهكذا استعد السحرة التائبون لمواجهة مكر فرعون وكيده، تضليله وإرهابه، فمن جهة قالوا له: إن غضبك علينا ليس إلا لأننا عدنا إلى حريتنا واستقلالنا وآمنا بالحق من دون