من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - العاقبة في الحقل العملي
بينات من الآيات: طريق الانحدار
[١٤٦] كما السيارة إذا وضعت في طريق منحرف تعمل كل أجزائها في ذلك المسير وبصورة منحرفة، حتى إذا كانت سليمة بحد ذاتها وغير معطبة، كذلك المجتمع إذا توجه نحو تطلعات خاطئة، فإن كل أعضائه تعمل في ذلك الطريق وبصورة خاطئة.
التطلع السليم للمجتمع هو بناء ذاته، والتعاون على الخير مع سائر المجتمعات، أما إذا تكبر في الأرض، وتطلع نحو استعباد الآخرين واستثمار طاقاتهم، فانه ليس فقط ينحرف في هذه الجهة، وفيما يخص علاقاته بالآخرين فحسب، بل سوف ينحرف بكل أبعاده حتى فيما يتصل بعلاقاته الداخلية، ذلك لأن الله لم يجعل في جوف الناس قلبين، إنما هو قلب واحد فإذا كان متكبراً باحثاً عن المجد الذاتي، متخذاً نفسه- وليس الحق- محوراً ومعياراً، فإن كل تصرفانه ستكون مصبوغة بصبغة التكبر.
لذلك لا يكون الفرد مؤمناً وعاملًا بآيات الله ورسالاته إذا تطلع نحو استعباد الآخرين، وتكبر في الأرض بغير الحق، وأراد أن يتعالى بما لا يحق له سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ- يبدو لي-: أن كلمة الآيات هنا تعني الآيات التشريعية حسب السياق، حيث كان الحديث في الآية السابقة حول رسالات الله وكلامه.
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا والآية هنا- حسبما يبدو لي- تعني الآية التكوينية مثل المعاجز، وعبر التاريخ، والتطورات التي تبين الحقائق وهكذا الآن القلب المتكبر لا يبحث عن الحقيقة، بل عما يخدم ذاته، ويشبع غروره، ولذلك فهو لا يلتفت إلى الحقائق ولا يهتم أو يؤمن بها حتى إذا رآها رأي العين، وهو كذلك لا يبحث عن الطريق السديد لأنه قد انحرف بوعي وإصرار وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا إنهم منحرفون ولذلك فهم يبحثون عما هو منحرف ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ إن تكذيبهم الأول بآيات الله جعلهم ينصرفون عن الحقائق، ويغفلون عن أهميّة الآيات التشريعية، إن البشر ينحرف أول ما ينحرف بسبب اختياره السيئ، ولكنه ينحدر بعدئذ نحو الكفر والجحود بصورة أقرب إلى اللا اختيار.
العاقبة في الحقل العملي
[١٤٧] تلك كانت عاقبة المتكبرين الفكرية: أنهم لا يهتدون إلى الحقيقة لا عن طريق