من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - كيف نعرف الله؟
عواملها وتغيراتها.
ورسالات الله تنقذ الإنسان من أصله، وترفع عنه هذا الثقل المادي بتوجيهه إلى العالم الأعلى، عالم الروحيات، وعالم المستقبل القريب في الدنيا، والمستقبل البعيد في الآخرة.
وكما ترفع الرسالة أصر البشر ترفع الأغلال الآتية من الإصر، مثل الأغلال الاجتماعية التي يفرضها النظام السياسي، أو الاقتصادي الحاكم على المجتمع، والقوانين المعيقة للتقدم، والكبت والإرهاب الفكري الذي يمنع تفجير النشاط، وتفتق المواهب.
شروط الفلاح
وعاقبة هذه الرسالة الفلاح والسعادة، ولكن بشرط أن يؤمن البشر بها، وأن يعظمها ويوقرها، وأن ينصرها عمليًّا باتباع كل مناهجها، وأن يتخذ قيمها ومعاييرها ميزاناً لتقييم أحداث الحياة، وتفسير متغيراتها، ومعرفة الناس فَالَّذِينَ آمَنُوا بِه إيماناً واقعيًّا بأن سلموا له أنفسهم، ولم يتكبروا أو يتعالوا عليه وَعَزَّرُوهُ أي جعلوه كبيراً في أنفسهم، أكبر من شهواتهم ومن ضغوط الحياة وَنَصَرُوهُ أي قدموا له إمكاناتهم، وجعلوها في خدمة رسالته وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ وهو القرآن، وكما يستضيء البشر بنور المصباح في الليل، كذلك استضاءوا بنور القرآن في ليل الحياة، فرأوا به ومن خلاله ما في الحياة من خير وشر، وحق وباطل، وهدى وضلالة أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ أي السعداء في الدنيا والآخرة.
كيف نعرف الله؟
[١٥٨] معرفة الله سبحانه تسبق سائر المعارف الدينية، وهي تتم بطريقة فطرية، وبالتذكرة بما في الكون من آيات، وبما في النفس من بحث ووله، وحين يتذكر البشر ويعرف ربه يسهل عليه أن يعرف رسالة ربه لما فيها من تناسب وتناغم، فرسالة الله شاملة واسعة الرحمة، لطيفة المناهج، متينة الأركان كأي اسم آخر من أسمائه الحسنى، فهي كما الشمس والقمر، ومثل السماوات في سعتها وقدرتها، ومثل الأرض في متانتها واستقرارها، ومثل ظاهرة الحياة فيما تعطيها للنفوس من حرارة الحياة، لذلك كان من أقرب الطرق إلى معرفة الرسالة والرسول هو معرفة الله، والتذكر بعظمته وقدرته ولطفه ورحمته، ولذلك أيضا كان يستشهد الرسل بالله على صدق رسالاتهم قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وكما أن رحمة الله وسعت كل شيء، كذلك رسالته فهو الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ