من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - بينات من الآيات التوكل على الله سر العظمة
وهددهم بأنه سوف يصلبهم أجمعين.
أما المؤمنون فانهم تقبلوا التهديد بكل رحابة صدر وقالوا: إن الموت هو جسر العبور للعودة إلى الله تعالى، وقالوا له: إن تهمك باطلة، وإنما تريد أن تعذبنا لأننا آمنا بآيات ربنا، وعلامات الحقيقة حيث جاءتنا، وطلبوا من الله سبحانه أن يمدهم بالصبر، وأن يختم عاقبتهم بالخير.
وهكذا أسدل الستار على مشهد آخر من مشاهد صراع الحق والباطل.
بينات من الآيات: التوكل على الله سر العظمة
[١١٧] موسى عليه السلام الذي تحدى كل ذلك الطغيان الجاهلي العظيم بسحره وجبروته وإرهابه لم يفعل ذلك بقدرته الذاتية، بل بالقدرة المعنوية- بالتوكل على الله- وهذا هو سر العظمة، إذ لو كان موسى يملك سحرا أقوى ثم يتحدى سحر السحرة، أو كان يملك جيشا اكبر ثم يتحدى الطاغوت فرعون، أو يحظى بمؤيدين أكثر إذن ما كان له هذا الفخر وهذه العظمة، إنما كان يتحدى الجاهلية بعصاته التي يخشى منها حين يلقيها، لأنه لا يعرف كيف تتحول إلى ثعبان، وحين وقف موسى أمام السحرة ورأى سحرهم العظيم، وأنهم استرهبوا الجماهير، وكادوا يضللونهم أوجس في نفسه خيفة، لأنه يخاف من غلبة الجهال ودول الضلال كما جاء في الحديث، ولكن يشاء ربه امتحان الناس بهذا السحر، وامتحان استقامته، وحين ينتصر موسى عليه السلام بعصاه حينذاك تكون عظمته، لأنه يعتمد على الإيمان، ويضحي بنفسه في هذا المجال، لذلك يؤكد ربنا على الوحي في مواجهة الجاهلية ويقول* وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ أي تبتلع إفكهم وانحرافهم وكذبهم.
[١١٨] وحين يصبح الحق واقعا عينيا يؤمن به الجميع، ولكن قبل ذلك لا يؤمن به سوى أصحاب البصائر النافذة والرؤى الصادقة فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إنهم عملوا الباطل وأرادوا تكريسه، ولكن الحق وهو سنة الله وفطرته وقانونه في الحياة هو الذي انتصر أخيرا، فالظلام في الليل يزيله بصيص نور شمعة، وكما أن هذه الشمعة قطعت الظلام كذلك النور في النهار، وكذلك العدالة الاجتماعية وكذلك في المقابل سقوط الظلم وانهيار الفساد.
[١١٩] أما قوم فرعون فلحقهم الخزي والهزيمة فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ.