من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٧ - الكفر بعد الشكر
وبعد فترة من الوقت يحيط بهم الخطر بسبب تحول الريح الطيبة إلى ريح عاصف تثير الأمواج العاتية حول السفينة، فلما رأوا ذلك تضرعوا إلى الله سبحانه لينقذهم من الخطر، فلما نجاهم إذا هم يكفرون هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي أحاط بهم الخطر بحيث أصبحوا محاصرين من كل مكان دون قدرة على الفرار، وربما الظن هنا- كما في سائر الآيات- بمعنى التصور فهو أشد وقعا في النفس وتأثيراً، إذ أن الظن تصور ينطلق من معطيات فإن كانت علم وواقع فهو يقين وإلا فهو تخرصي.
دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي كان دعاؤهم مختلفاً عن دعائهم السابق، ففي السابق كانوا يدعون الله والشركاء معاً، وكانت قلوبهم منقسمة بين الله والشركاء، ولكن الآن اخلصوا التزامهم بالله، وصفوا قلوبهم من رجس الشرك.
لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ماذا كانوا يعنون بالشكر؟ هل هو مجرد ترداد كلمة شكرا لله؟ أم فوق ذلك الإلتزام بكل ما أمر الله من واجبات؟ من الواضح إن الشكر بالمفهوم الأول كان بسيطاً وكانوا مستعدين له أبداً، أما الذي لم يفعلوه فهو الشكر بالمعنى الثاني.
الكفر بعد الشكر
[٢٣] وهكذا مكروا في آيات الله، وأخذوا يظلمون بعضهم ويستغلون رحمة الله اداة للباطل، وأخذوا يسرفون في نعم الله كما فعل قوم لوط، وكانوا يفسدون في الأرض كما فعل فرعون وقومه، وأخذوا يستكبرون في الأرض بالباطل كما فعل عاد وثمود وهكذا فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أي أن هذا الظلم، وهذا التحويل في طريقة الانتفاع من آيات الله، إن ذلك سوف ينعكس عليكم، ذلك لأنه مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.