من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - التحدي الرسالي
الحقيقة، والسحر قد يكون عن طريق غسيل الدماغ الذي يستخدمه العلم الحديث، أو عن طريق الدعايات الباطلة، وقد يكون عن طريق بعض أنواع الشعوذة، مثل ما فعله سحرة فرعون حيث وضعوا الزئبق في أجسام لينة تشبه العصي ثم القوها فتحركت بفعل تحرك الزئبق بحرارة الشمس، وعلى العموم ليس السحر سوى استخدام الوسائل الطبيعية غير المعروفة للناس في سبيل إقناع الآخرين بغير الحقيقة.
[١١٣] والسحرة أولئك المأجورون الذين لم تكن لديهم رسالة في الحياة إلا إشباع شهواتهم العاجلة وقد سألوا فرعون قبل كل شيء عن الأجر وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ويبدو أن السحرة كانوا يخشون الهزيمة بسبب معرفتهم ببطلان سحرهم، وأنهم لا يقولون الحق، كما يبدو أنهم قد اجهدوا أنفسهم في الحصول على كل وسيلة ممكنة من وسائل السحر، ولهذا سألوا فرعون الأجر.
[١١٤] أما فرعون الطاغوت الذي رأى أن كيانه يتداعى تحت ضربات عصى موسى المعجزة، فإنه كان كريما في إعطاء الوعود قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ حيث عرف فرعون أن طائفة السحرة يجب أن تكون على مقربة منه لمواجهة الظروف الطارئة، كما أن الملوك والرؤساء وطغاة اليوم يصطحبون معهم رتلا من الصحفيين المأجورين، والمستشارين العملاء الذين باعوا ما لديهم من فكر وعلم وأدب من أجل تدعيم نظام الظلم والقهر.
التحدي الرسالي
[١١٥] وحشد الجمهور، ووقف موسى عليه السلام يتحدى كل ذلك الكيان الطاغوتي، فرعون وجنوده وسحرته، يتحداهم وحده بالتوكل على الله، والثقة المطلقة بوعده الصادق بنصره لذلك قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ.
[١١٦] قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ إن موسى عليه السلام واثق من النصر لأنه على حق، ولأنه يعتمد على ركن شديد هو الله سبحانه، لذلك أمرهم بأن يخرجوا ما لديهم من مكر وسحر، كما أمر نوح عليه السلام قومه بأن يجمعوا أمرهم وأن يأتوا إليه من دون نظرة ومهل.
وهكذا كل الدعاة إلى الله سبحانه يتحدون أعلاء الله الطواغيت دون خوف، وينازلونهم في ميدان المواجهة الشاملة، وهذا بذاته دليل صدقهم واعتمادهم على الله سبحانه، وعلى الحق الذي يحملون رسالته.