من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣ - لماذا نوح بالذات؟
يرسلها الله إرسالًا، والدليل هو هدفية الظواهر، فالرياح تهدف البشارة برحمة قادمة، والبشارة هدف لا يمكن تحقيقه عبثا، ومن دون خطة حكيمة وفعل منظم حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إن كل ذلك يتم بإرادة الله وحسن تدبيره، ولو لا ذلك لم تكن الصدفة قادرة على تحقيق هذه الأهداف، إذ أن الهدف هو البشارة بالرحمة، وإحياء البلد الميت، وإخراج الثمرات، ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد تحرك السحاب، بل بمجموعة عوامل متفاعلة ومتزامنة كأن تكون الأرض مستعدة، والطقس مناسبا، والأمن مستتبا، وأن يكون مقدار المطر كافيا، غير ناقص ولا زائد عن الحد، وهكذا حتى يحيي الأرض ويخرج النبات، وذلك يدل على أن هناك هدفا وراء السحاب يجريه الله سبحانه بعلمه وقدرته.
وإذا تبصرنا قدرة الله في الطبيعة آمنا بأن هذه القدرة المطلقة الحكيمة هي التي تخرج الموتى للحساب، فلا تبقى عقبة في طريق إيماننا بالبعث والنشور.
كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى ولكن لا يمكننا أن نفهم حقائق الكون من دون تذكر وتبصر وربط للحقائق ببعضها لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فالتذكر يربط الحقائق، ويستنتج من خلاله المعلومات، ويلقي بالمسؤوليات والواجبات.
بين البصيرة والاستنباط
[٥٨] حين يزود الإنسان بسلاح البصيرة النافذة ويتذكر يستنبط الحقائق المختلفة، أو بالأحرى الأبعاد المختلفة من الظاهرة الواحدة، فمن ظاهرة السحاب والمطر وإحياء الأرض يتوصل إلى أن نبات الأرض مختلف بالرغم من أن الماء الذي ينزله الله على الأرض واحد، مما يدل على أن استجابة الأرض للماء شرط أساسي لحياة الأرض، كذلك استجابة البشر لرسالة الله تعالى شرط لانتفاعه بها.
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً أي عسيراً وبخيلًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ فالذين لايشكرون النعمة ولا يقدرونها حق قدرها لا ينتفعون بالآيات، كما أن الأرض الخبيثة لا تنتفع بالمواسم الخيرة، وفي القصص التالية عبر كافية لهذه الحقيقة.
لماذا نوح بالذات؟
[٥٩] لأن الله رب العالمين ورب الإنسان الذي يحب للبشرية التكامل والرقي، فقد أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه ولم يرسل غيره، لأنه منهم وأثره في تطورهم أبلغ، ولم يدع نوح قومه