من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٧ - الإطار العام الجهاد سبيل البراءة من المشركين
ثم يُبين الله أن الجهاد مدرسة لتربية الإنسان المسلم، وأن المظاهر الدينية التي يتوسل بها الكفار مثل عمارة المسجد غير مقبولة عند الله عزوجل، على اعتبار أن العمل الصالح جوهر لا مظهر، ولأن الهوية الإسلامية لا تتحقق إلا بإخلاص الولاء لله وللقيادة الرسالية والمجتمع المسلم (الآيات: ١٧- ٢٢).
ولكي تستعد الأمة للجهاد، لابد أن يخلص انتماء أبنائها إليها، باعتبارها تجمعاً مبدئيًّا، وألّا يتخذوا أقاربهم أولياء إن فضلوا الكفرعلى الإيمان، ذلك لأن أي خلل في الإنتماء يبعث خللًا في الإيمان، وكمثل على هذا الخلل وأثره السلبي على الصراع ما جرى في حنين إذ اعتمد الجيش على الكثرة لا على الإيمان، فانهزم الجيش وضاقت عليهم الأرض .. (الآيات: ٢٣- ٢٧).
ولهذا؛ فإن (الآيات: ٢٨- ٣١) تحرض المسلمين على قتال المشركين وطردهم من المسجد الحرام بالإضافة إلى قتال الكفار من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً حقيقياً ينعكس على ثقافتهم وسلوكهم، كما أنهم لا يلتزمون بشرائع الله وأوامر الرسول وسيادة الدين والنظام الحق، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية خضوعاً للحق وهم صاغرون.
ولا يزال السياق القرآني (الآيات: ٣٢- ٣٥) يبين الفساد الذي تسرب إلى اليهود والنصارى من خلال تقليدهم الأعمى للأحبار والرهبان ومخالفة النور الإلهي.
وبعد الحديث عن الكفار من أهل الكتاب، عاد القرآن مرة أخرى للحديث عن المشركين، وبيّن أن الالتزام بالأشهر الحرم من مظاهر الدين القيّم. أما التلاعب بأحكام الله وتغيير الأشهر حسب الأهواء، فإنه زيادة في الكفر وضلالة (الآيات: ٣٦- ٤٠).
ويخاطب القرآن المؤمنين: لماذا لا يخفّون إلى القتال حين يؤمرون به؟ وهل التثاقل بسبب الرضا بالدنيا والاستغناء عن الآخرة؟.
وتعلن (الآيات: ٤١- ٤٥) وجوب الجهاد بأيّة صورة ممكنة. بيد أن البعض يزعم بأن الجهاد كما السفرة السياحية أوالمكاسب العاجلة، وحينما يكتشف مشاقه ومتاعبه يوليه الدبر مبرراً ذلك بالعجز .. ولكن هذا البعض لا يضرّ إلا نفسه .. و على القيادة الإسلامية اتخاذ الجهاد وسيلة من وسائل كشف العناصر الضعيفة والمنافقة، فلا تأذن لم يستأذنها في ترك الجهاد، ذلك لأن المؤمنين لا يستأذنون القيادة لأنهم يتطلعون نحو الجهاد بأنفسهم وأموالهم إيماناً منهم بالله واليوم الآخر، والله عليم بهم.
إنما الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر حقاً ويرتابون في ذلك هم وحدهم الذين يستأذنون.