من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٠ - حين تضيق بنا الحياة!
لنؤكد على حقيقتين
الأولى: إن الشفاعة من عمل الإنسان وسعيه، وليست من تمنياته وأحلامه.
الثانية: إن الهدف من الشفاعة تعميق الصلة بين الرسول صلى الله عليه واله وقومه، ونستوحي من الآية التالية كلتا الفكريتين: ولكن كيف؟.
دعنا نتدبر في الآية الكريمة لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ توبة الله على النبي تعني المزيد من بركاته عليه، ولكن بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار قد تعني أيضاً غفران ذنوبهم ولكن بماذا وكيف غفرت ذنوبهم؟ بانهم اتبعوا الرسول في ساعات الشدة، ولأن ذلك كان عملًا كبيراً والله سبحانه يغفر بسبب الحسنات الكبيرة الذنوب الصغيرة لذلك أكدت الآية على هذه الحقيقة.
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ فالصبر في ساعة العسرة عمل عظيم يغفر الله تعالى بسببه سائر الأعمال الصغيرة، ولكن أهم نقطة هي اتباع الرسول، وعدم الخلاف معه، وعدم الإسترسال مع حالة الزيغ، الذي يصيب البشر في مثل هذه الحالات الصعبة.
مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ وزيغ القلب هو انحرافه عن الإيمان بالله والرسول، وإذا اتبع المؤمن قيادته ولم يتشكك فيها بسبب الظروف الصعبة فإن ذلك يشفع له ذنوبه، لأن الرسول أو الولي الذي يمثل القيادة سوف يشفع له عند الله، ويصلي له ويسغفر له، وبهذا نعرف فلسفة الشفاعة فهي سبب لتمتين الإرتباط بالرسول صلى الله عليه واله أو بالقيادة السليمة ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
حين تضيق بنا الحياة!
[١١٨] وهناك حالة مفردة غفرها الله سبحانه وهي: أن ثلاثة من أصحاب الرسول تخلفوا عن الجهاد فغضب الله عليهم وأمر الرسول صلى الله عليه واله ألا يكلمهم المسلمون، فشعروا بضيق كبير حتى ضاقت عليهم الأرض بالرغم من سعتها ورحبها.
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ضيق الأرض بسبب مقاطعة المجتمع لهم، وضيق أنفسهم بسبب شعورهم بالذنب لذلك توجهوا إلى الله.
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي تصوروا هذه الحقيقة ماثلة أمامهم كانهم يرونها بالرغم من إيمانهم المسبق بهذه الحقيقة وهي أن الكهف الحقيقي لإيوائهم في زحمة المشاكل هو حصن الله الحصين ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.