من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - بينات من الآيات بعد العسر يأذن الله بالنصر
بينات من الآيات: بعد العسر يأذن الله بالنصر
[١٢٧] وينصر الله سبحانه المؤمنين الرساليين في أوقات الأزمات الشديدة كما نصر موسى عندما أراد فرعون سحق رسالته بالسحر، بيد أن من واجب الرساليين آنئذ ألا يدعو لحظة واحدة لا يستفيدوا منها في توعية الجماهير وتنظيمهم، وترسيخ دعائم النهضة والتغيير، وهدم أسس النظام الفاسد، وذلك استعدادا لجولة جديدة من المعركة الساخنة مع النظام الطاغوتي، فهذا موسى عليه السلام بعد أن انتصر على فرعون، واستعاد منه حريته، جمع حوله الأنصار، وأخذ يفسد نظام فرعون الطاغوتي من كل جهة ممكنة، ويهدم أساس كيانه وهو الاعتماد على السلطة السياسية الطاغوتية التي يمثلها فرعون رأس النظام ذاته، وأيضا السلطة الدينية والثقافية الفاسدة، التي كان يمثلها: الكهنة والأحبار لذلك جاء كبار رجال فرعون ومستشاروه إليه يخبرونه بالأمر ويحذرونه منه وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ- يبدو لي-: أن مرادهم بالفساد في الأرض هو هدم الأنظمة التفصيلية، والكيانات والمؤسسات المختلفة للدولة، بينما المراد من ترك فرعون هو ترك سلطانه السياسي، والمراد من ترك الآلهة ترك خلفية هذا النظام السياسي والثقافي. وعندما حذر الملأ فرعون من مغبّة التساهل مع موسى عليه السلام، وما قد يترتب على ذلك من نتائج مدمّرة على سلطانه السياسي والعقائدي، كشّر فرعون عن أنيابه وصرّح لهم بما ينويه من ممارسة أعنف ألوان الإرهاب بحق النبي وأتباعه قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ.
[١٢٨] وحين استخدم فرعون سلاحه الأخير، وأراد تصفية المستضعفين جسديا، أمر موسى قومه بالاستعانة بالله، ويتساءل المرء: ما هي الاستعانة بالله؟.
ونعرف الإجابة إذا تذكرنا بأن لله الأسماء الحسنى، وحين يؤمن العبد بربه يسعى لتجسيد ما استطاع من تلك الأسماء في ذاته، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وحين يتصل العبد بالله تتجلى فيه صفة العزة الإلهية، كما تتجلى فيه صفة القدرة، وعدم الخضوع لضغوط الشهوات، أو الاستسلام للمتغيرات الآنية العاجلة، وبقدر ذلك تتجلى فيه صفة الرحمة والشدة والحكمة والعلم و .. و .. وكلما زادت الأسماء الإلهية الحسنى في المؤمن تجليا وظهورا كلما أصبح أقدر على مواجهة المصاعب وتسخير الحياة، والله سبحانه خلق لعباده وسائل للتقرب إليه، وللاتصال بينابيع قدرته وعظمته، والأخذ بتلك الوسائل هو الاستعانة بالله، فكلما تمسك المؤمن بتلك الوسائل كلما أصبح اشد قدرة وأكبر عظمة، والتقوى هي: جماع تلك الوسائل، أما تفاصيلها