من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٥ - جوهر عبودية الله تحرر الإنسان
أما موسى عليه السلام فقد شرح لقومه
أولًا: العامل الداخلي لهذا الطلب وهو الجهل وقلة الوعي قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
[١٣٩] ثانياً: بيّن لهم أن وضع هؤلاء هالك ولا دوام له ولا استمرار، إذ أن الوضع الفاسد لا يملك رصيدا واقعيا، كشجرة مجتثة من فوق الأرض، ظاهرها شجرة، وواقعها حطبة.
ثالثاً: بيّن أن العمل الذي يقوم به الإنسان في إطار النظام الفاسد هو عمل باطل، وينتهي إلى الدمار حتى ولو كان ظاهر العمل حسنا، مثلًا: ظاهر البناء أنه عمل جيد، ولكن إذا كان المهندسون والبناءون ومصانع الحديد ومعامل الإسمنت كلها تعمل من أجل بناء معتقل أو قاعدة صاروخية تقذف المستضعفين فإن هذا العمل تخريب وليس بناء، كذلك كل عمل لا يكون ضمن إطار صالح أو هدف مقدس فانه باطل وينتهي، لذلك قال موسى عليه السلام لقومه إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
جوهر عبودية الله تحرر الإنسان
[١٤٠] ثم بعد أن وضح فساد الوضع الذي يدعون إليه، شرح لهم موسى بأن الرب الذي أنقذهم من سلطان فرعون، وحررهم من الطاغوت خير لهم مما يدعون إليه قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ إن الله فضلهم بالحرية والعلم، وأن يقودوا أنفسهم بعيداً عن ضغوط الطاغوت، وهم يريدون العودة إلى العبودية.
إن البشر حين ينفي ألوهية أي شيء أو أي شخص من دون الله سبحانه فسوف يكون محررا، مسلطا على نفسه بقدر ما يأذن الله له.
[١٤١] والله سبحانه هو الذي أنجاهم من آل فرعون وبطشهم وقهرهم بالتوحيد، وإن فكرة التوحيد التي أنقذتهم من تلك الورطة، أولى بالاتباع من تلك الثقافات الجاهلية التي سهلت استعبادهم واستغلالهم وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي يحملونكم الإرهاب والعذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وهل هناك نعمة أفضل من التحرر من إرهاب الطاغوت وسيطرته؟، وكم يكون البشر غبيًّا لو أراد العودة إلى العبودية بعد الحرية، والتعاسة والبؤس بعد الرفاه والراحة.
إن استمرار الحالة الثورية التي رافقت نجاة الأمة من الطاغوت هو أفضل وسيلة للخلاص من عوامل الانتكاس في العملية التغييرية، وهذا ممكن مع تذكر أيام الطاغوت وكيف تغيرت.