من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٢ - العلاقة بين هدفية الحياة والتقوى
التدبير في الكون يدلنا على ربنا العزيز فيقول
(يَا مُفَضَّلُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَارِئِ جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَنَظْمُهَا عَلَى مَاهِيَ عَلَيْه، فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَمَيَّزْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ، وَالْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ، وَالنُّجُومُ مَنْضُودَةٌ كَالْمَصَابِيحِ، وَالْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِر، وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ، وَالْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ ذَلِكَ الْبَيْتَ، وَالْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَافِيهِ وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ، وَصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ، فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَحِكْمَةٍ، وَنِظَامٍ وَمُلَائَمَةٍ. وَأَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَنَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ. جَلَّ قُدْسُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ وَكَرُمَ وَجْهُهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ. تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ وَجَلَّ وَعَظُمَ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ الْمُلْحِدُونَ) [١].
ذلك لأنك حين ترى كل شيء في الدنيا يحقق هدفا، ويسعى في سبيل بلوغ غاية محددة، فتتذكر حقيقة هامة في ذاتك، هي أنك بدورك خلقت لهدف ومن أجل بلوغ غاية، وهذا التذكرة تصبح حجر الزاوية في بناء كيانك الفكري.
إذا تتساءل ما هو الهدف؟ وكيف أحققه؟ وما هي الغاية وكيف الوصول اليها؟.
وعبر سلسلة من التساؤلات التي تؤدي بك إلى التدبر العميق في نفسك، وفي آفاق الكون حولك، تصل إلى الهدف الأساسي من خلقك، ذلك هو العروج إلى مقامك الأسمى عند الله، وتبحث عن الوسيلة التي تساعدك على الوصول إلى مقامك المنشود عند الله، إلى مرضاة ربك العزيز المقتدر، فلا تجدها إلا في التقوى، لذلك إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ. وجاء في آية اخرى وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١].
حين نجد كيف يتدرج المتفكر في خلق السماوات والأرض من معرفة هدفية الخلق، وأنه لم يخلق باطلًا، حتى يصل إلى التقوى من الله والحذر من عذابه.
[١] بحار الأنوار: ج ٣ ص ٦١.